# مشتت العزمات: حينما يغتال التردد عنفوان الحياة
يقول الشاعر في بيتٍ يقطر وجعاً ويختصر مأساة الكثيرين في هذا العصر:
“ومشتّت العزمات ينفقُ عمرَهُ .. حيرانَ لا ظفرٌ ولا إخفاق!”
هذا البيت ليس مجرد كلمات منظومة، بل هو تشخيص دقيق لعلةٍ نفسية وروحية تفتك بالطموحات، وتجعل الإنسان يدور في حلقة مفرغة من التيه. إنها حالة “مشتت العزمات”، ذلك الشخص الذي يملك من الطاقة ما يكفي لبناء دول، لكنه يبعثرها في ألف اتجاه، فلا يستقر له قرار، ولا يرسو له شراع.
مأساة أنصاف البدايات
إن مشتت العزمات يعيش صراعاً داخلياً مريراً، تراه يندفع نحو مشروع جديد بكل جوارحه، وما إن يقطع فيه شوطاً يسيراً حتى يلوح له بريق مشروع آخر، فيترك الأول معلقاً ليجري خلف الثاني. النتيجة؟ ركام من المشاريع نصف المكتملة تنتثر أمام عينيه كأطلالٍ دارسة.
هذه المشاريع “المنقوصة” هي أشد إيلاماً للنفس من تلك التي لم تبدأ أصلاً؛ فما لم يبدأ يظل في حيز العدم الذي لا يُشغل البال، وما اكتمل يمنح النفس راحة الإنجاز. أما تلك العوالق التي لم تنتهِ ولم تُنسَ، فهي كخناجر مغروسة في الذاكرة، لا تترك لصاحبها فرصة ليفرح بما أنجز، ولا أن ينسى ما بدأ.
فخ “أنصاف” الشخصيات
تأمل في حال مشتت العزمات بعد سنوات طويلة من السعي والطلب، ستجده قد جمع من كل بستان زهرة، لكنه لم يزرع في أي منها شجرة باسقة. تلقاه:
- نصف فقيه: يعرف رؤوس المسائل ولا يدرك أعماقها.
- نصف محدث: يحفظ أطراف الأحاديث ويجهل عللها.
- نصف أديب: يتذوق الكلمات لكنه يعجز عن صياغة البيان.
- نصف مفكر: يطرح التساؤلات ولا يملك أدوات الإجابة.
- نصف داعية: يملك الغيرة لكنه يفتقد المنهج والبصيرة.
إنه في المجمل “نصف إنسان” في كل تخصص، وإن نجح في حياته -وهذا مستبعد مع التشتت- فإنه لن يحقق إلا نصف أحلامه. أما الشيء الوحيد المكتمل لديه، والصفة التي بلغت فيه ذروتها، فهي “الحيرة”! تلك الحيرة التي تأكل العمر وتستنزف الروح.
الوجع الأكبر: لا ظفر ولا إخفاق
يضعنا الشاعر أمام معادلة صفرية موجعة للغاية: (حيران لا ظفر ولا إخفاق).
إن الإخفاق في حد ذاته قد يكون مدرسة، فالفاشل الذي حاول وأخفق قد تعلم درساً، وعرف طريقاً لا يؤدي إلى الهدف، فهو في حركة مستمرة وتجربة حية. أما المشتت الحائر، فهو في حالة “موت سريري” للإرادة.
إنه لا يظفر بالنجاح لأنه لم يصبر على وعثاء الطريق، ولا هو يذوق مرارة الإخفاق الصريح الذي يدفعه للتصحيح. هو واقف في المنطقة الرمادية، يقتل كل فوز يلوح له في الأفق بسكين التشتت، وكلما اقترب من قطف الثمرة، أغواه بريق ثمرة أخرى في غصن بعيد.
الزمن لا يرحم الحيارى
لقد غرز الشاعر حروف بيته كسكين في حلق كل محتار. إن الحيرة ليست مجرد شعور عابر، بل هي قاتلة محترفة. الزمن، ذلك القطار الذي لا يتوقف، لا يمنح الحيارى فرصة ثانية ليعيدوا ترتيب أوراقهم، ولا ينتظرهم حتى يحددوا أهدافهم بدقة.
تأمل في قول الكاتب: “حوافر الوقت لم تبدِ استعدادها بأن تستثني أحداً من السير على قفاه!”. إن الوقت يدهس المترددين، ومن لم يحدد وجهته ويحزم أمره، فسيجد نفسه وقد انقضى عمره وهو لا يزال يربط حذاءه استعداداً للانطلاق.
كيف تعالج تشتت عزماتك؟
إن الخروج من مأزق التشتت يتطلب وقفة حازمة مع الذات، وإليك خطوات عملية مستوحاة من عمق المنهج الإسلامي والتربوي:
أولاً: تحديد الهدف بدقة
السير إلى الهدف هو فرع عن معرفته أولاً. لا يمكنك أن تصل إلى مكان لا تعرفه. اجلس مع نفسك، حدد ما الذي تريده حقاً من هذه الحياة؟ ما هو الأثر الذي تريد أن تتركه؟ لا تشتت نفسك بكثرة الغايات، بل اجعل لك غاية كبرى تندرج تحتها كل الغايات الصغرى.
ثانياً: فقه الأولويات
العمر قصير والعلم غزير والمطالب كثيرة، لذا لا بد من الاختيار. اختر ما يناسب قدراتك وميولك، وركز فيه. إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، والإتقان لا يأتي مع التشتت.
ثالثاً: الاستعانة بالله والحزم
إذا حددت هدفك، فاستعن بالله ولا تعجز. اعقد العزم وتوكل على الله، وإياك والالتفات؛ فإن الملتفت لا يصل. الحزم هو أن تغلق الأبواب الجانبية التي تفتح عليك رياح التردد.
رابعاً: سياسة الإنجاز لا التكديس
تعود أن تنهي ما بدأت. لا تسمح لمشروع جديد أن يدخل حياتك قبل أن تغلق ملف المشروع السابق أو تصل فيه إلى مرحلة الاستقرار. لذة الإنجاز هي الوقود الذي سيحرق غابات الحيرة في صدرك.
كلمة أخيرة لصديقي الحائر
يا صديقي، إن الحياة أقصر من أن تقضيها في تجربة كل شيء، وأثمن من أن تضيعها في أنصاف الطرق. حدد هدفك بدقة، امضِ إليه بقلب جسور وعزيمة صادقة. لا تكن ذلك الذي وصفه الشاعر، ينفق عمره حيراناً، بل كن ممن إذا أرادوا فعلوا، وإذا فعلوا أتموا.
تذكر دائماً أن النجاح ليس في كثرة ما تبدأ، بل في جودة ما تنهي. فاجعل عزيمتك صلبة كالفولاذ، ووجهتك واضحة كالشمس، واعلم أن السير نحو الهدف يبدأ بمعرفته، وينتهي بالصبر عليه.
المصدر الأصلي بتصرف: الكاتب سليمان بن ناصر العبودي.


اترك تعليقاً