سطوة السلاح وحيرة القرار
هل تكفي القوة الغاشمة وحدها لترويض أمواج السياسة المتلاطمة؟ يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم أمام ميزان دقيق، تترجح فيه كفة الإمكانيات العسكرية الهائلة، وتخف فيه كفة القدرة على الحسم الاستراتيجي. فالمشهد اليمني المعقد يضع البيت الأبيض أمام تساؤل وجودي: كيف يمتلك المرء مفاتيح الحرب، ويعجز عن فتح أبواب النصر؟
يرى الخبير العسكري العميد إلياس حنا أن الفجوة بين "الامتلاك" و"القدرة" هي الكابح الحقيقي لتحركات واشنطن. فالولايات المتحدة، رغم ترسانتها التي لا تغيب عنها الشمس، تجد نفسها في حالة من التريث القسري أمام جماعة أنصار الله (الحوثيين)، في صراع تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية بخرائط الملاحة الدولية.
لغة الأرقام: جراح مطار الملك خالد
لم يكن التصعيد الأخير مجرد مناوشات عابرة، بل كان زلزالاً وضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع التزاماتها تجاه حلفائها. إن الدماء التي سالت في مطار الملك خالد الدولي بالرياض رسمت لوحة مأساوية تتجاوز الوصف السردي:
- الضحايا: 12 نفساً صعدت إلى بارئها.
- الجرحى: أكثر من 300 مصاب يعانون لوعة الألم.
- الرسالة: قدرة الحوثيين على اختراق العمق الاستراتيجي رغم الرقابة اللصيقة.
ورغم إعلان دونالد ترمب عن دراسته الجادة للانخراط في هذه الحرب نصرةً للمملكة العربية السعودية، إلا أن خطواته لا تزال حبيسة "الاحتمالات" ولم تنتقل بعد إلى حيز "اليقين" العملياتي.
هندسة المضايق: مثلث الخطر الملاحي
تدرك واشنطن أن الجغرافيا قدرٌ لا يمكن الفكاك منه. فالعلاقة بين مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس هي علاقة الروح بالجسد؛ إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالاضطراب. لقد كان تعهد الحوثيين بعدم المساس بالملاحة الدولية في باب المندب، أو استهداف السفن الأمريكية، بمنزلة "خيط رفيع" يمنع دونالد ترمب من قطع حبال الصبر.
تستمر الولايات المتحدة في تزويد الرياض بالمعلومات الاستخبارية والذخائر، كمن يمد الشريك بالوقود دون أن يقود المركبة بنفسه. فالقيادة المركزية الأمريكية تمتلك "بنك أهداف" متخم بالبيانات، وقد اختبرت بالفعل نيران المواجهة مع الحوثيين لمدة 53 يوماً في العام المنصرم، لكنها تدرك أن الدخول في نفق اليمن قد يكون بلا نهاية واضحة.
خيارات البنتاغون: فخ الثلاثة أيام
في أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وُضعت على طاولة دونالد ترمب خمسة سيناريوهات للتعامل مع الملف اليمني والإيراني. وبحسب تسريبات نقلها العميد حنا عن صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن أبرز هذه الخيارات يتمثل في:
- القصف المكثف: حملة جوية عنيفة تستمر لثلاثة أيام متواصلة.
- المعضلة الكبرى: غياب الرؤية لما بعد اليوم الثالث؛ حيث يعجز العسكريون عن تحديد كيفية تحقيق الأهداف النهائية بعد انقشاع غبار القصف.
هذا الغموض الاستراتيجي هو ما يجعل الإدارة الأمريكية تتردد؛ فالقوة دون خطة خروج واضحة هي مجرد تبديد للموارد في رمال متحركة.
الميدان المشتعل: من تعز إلى جبال كهبوب
على الأرض، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً. فالقوات الحكومية اليمنية، وإن كانت قد قلصت نفوذ الحوثيين في مدينة تعز، إلا أنها لم تبسط سيطرتها الكاملة بعد. تبرز "جبال كهبوب" كحجر زاوية في هذه المعركة؛ فالسيطرة الحوثية عليها تعني بتر الشريان الواصل بين لحج وتعز، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة التحركات الحكومية.
تتصاعد حدة المعارك في الساحل الغربي وفي محافظات الشمال مثل الجوف، لتشكل ضغطاً هائلاً على مراكز القرار الدولي. إن المشهد اليمني اليوم يشبه قصيدة عصماء، حروفها من نار، وقوافيها من بارود، ينتظر الجميع من يضع لها بيتاً ختامياً يحقن الدماء ويحفظ التوازن.
خاتمة: حكمة القوة وحدود الجبروت
إن السياسة، في أرقى تجلياتها، هي فن الممكن وليست شهوة الانتقام. يبقى دونالد ترمب محاصراً بين هيبة الدولة العظمى وحذر القائد الذي لا يريد الغرق في مستنقع جديد. إن القوة التي لا تصنع سلاماً مستداماً هي قوة عرجاء، والحرب التي لا تملك أهدافاً واضحة ما هي إلا مقامرة بالتاريخ. سيبقى العالم يراقب، وهل ستنتصر لغة المدافع، أم أن حكمة التوازن ستظل هي السائدة في أروقة البيت الأبيض؟



اترك تعليقاً