في أروقة واشنطن: حين تُغير الرياح اتجاه القلاع
هل يمكن للسياسة أن تكون فناً لإدارة المستحيل، أم أنها مجرد حسابات باردة لتجنب العثرات القديمة؟ في دهاليز العاصمة الأمريكية، حيث تُصاغ الأقدار السياسية خلف الأبواب الموصدة، يبدو أن بوصلة الحزب الديمقراطي قد انحرفت عن هدفها التقليدي المتمثل في ملاحقة الرئيس دونالد ترمب، لتستقر فوق رأس وزير حربه، بيت هيغسيث. هذا التحول ليس تراجعاً عن المبادئ، بل هو قراءة واقعية لخريطة القوى التي أثبتت أن محاولة عزل الرئيس للمرة الثالثة تشبه محاولة حرث البحر؛ جهدٌ مضنٍ لا يترك وراءه إلا الزبد.
إن استهداف بيت هيغسيث اليوم يمثل استراتيجية "الهدف المتاح"، هرباً من صخرة مجلس الشيوخ التي تكسرت عليها طموحات الديمقراطيين سابقاً. فالعزل الرئاسي يتطلب عتبة قانونية شاهقة تتمثل في موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهي قلعة منيعة لم يسبق لأي تصويت في تاريخ الولايات المتحدة أن اقتحم أسوارها.
دروس الماضي وعقلانية "ثيرد واي"
يرى مات بينيت، العقل المدبر في مركز "ثيرد واي" البحثي، أن الحكمة السياسية تقتضي عدم تكرار المعارك الخاسرة. فالمحاولات السابقة لعزل ترمب خلال ولايته الأولى لم تكن سوى صيحات في وادٍ سحيق، وتكرارها اليوم قد يبعث برسالة سلبية للناخب الأمريكي مفادها أن الحزب يعيش في فقاعة من الصراعات الشخصية بعيداً عن هموم الشارع.
لقد لخص حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، هذه الرؤية الجديدة بإعلانه الصريح أن إزاحة وزير الحرب من منصبه تقع على رأس أولويات الحزب بعد استعادة الأغلبية. إنها معركة قانونية وسياسية تهدف إلى تقليم أظافر الإدارة دون الدخول في مواجهة مباشرة ومحكومة بالفشل مع رأس الهرم.
لائحة الاتهام: ثمانية بنود في ميزان الحقيقة
لم يكن التحرك ضد بيت هيغسيث مجرد مناورة حزبية، بل استند إلى وثيقة قانونية رصينة قدمها النائب الجمهوري توماس ماسي، تتألف من 34 صفحة تفيض بالتفاصيل والاتهامات الخطيرة. هذه الوثيقة هي بمثابة مرآة تعكس التجاوزات التي يراها المعارضون تهديداً للدستور:
- تجاوز التفويض التشريعي: اتهام الوزير بشن عمليات عسكرية ضد إيران دون الحصول على إعلان حرب رسمي من الكونغرس، وهو ما يعد افتئاتاً على سلطة الشعب.
- خرق المهلة القانونية: الاستمرار في العمليات العسكرية بعد انقضاء مهلة الـ 60 يوماً التي يحددها القانون دون الحصول على تفويض جديد.
- الملف الإنساني: الإخفاق في الالتزام بالقوانين الصارمة المتعلقة بتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، مما يضع سمعة الدولة على المحك.
موازين القوى في فترة "البطة العرجاء"
نحن الآن في تلك البرهة الزمنية الحرجة المعروفة بـ "فترة البطة العرجاء" (Lame Duck)، وهي المرحلة الانتقالية التي تسبق تسلم الكونغرس الجديد لمهامه. في هذه المرحلة، تبدو الحسابات الرقمية كالتالي:
- الأغلبية الجمهورية الحالية: لا يزال الجمهوريون يمسكون بزمام الأمور في مجلس النواب.
- أصوات الحسم: يحتاج تمرير قرار العزل إلى استقطاب صوتين إضافيين على الأقل من الجانب الجمهوري، بالإضافة إلى صوت النائب ماسي، لضمان عبور لائحة الاتهام.
- الدعم الرئاسي: حتى في حال نجاح التصويت في مجلس النواب، يبقى شبح الفشل في مجلس الشيوخ قائماً، خاصة مع تمسك ترمب بدعم وزيره المثير للجدل.
خاتمة: بين مطرقة القانون وسندان السياسة
إن الملحمة السياسية التي تدور رحاها حول بيت هيغسيث ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي انعكاس لصراع أعمق على هوية السلطة في أمريكا. قد ينجح الديمقراطيون في تسجيل نقاط سياسية، وقد يفلحون في تسليط الضوء على تجاوزات إدارية جسيمة، لكن الحقيقة الراسخة تظل أن السياسة في جوهرها هي فن الممكن، وفي عالم الممكن، يبدو أن رأس الوزير أقرب منالاً من عرش الرئيس. وكما يقال في مأثور الحكمة: "من لم يستطع بناء القصر، فليجتهد في ترميم أركانه".



اترك تعليقاً