مهدي بن عطية يكسر حاجز الصمت: حقيقة "الرداءة" في مارسيليا وأسرار الرحيل المر
هل يمكن للصدق أن يكون عبئاً ينوء به صاحبه في عالمٍ تحكمه المصالح الضيقة؟ حينما قرر مهدي بن عطية، الدولي المغربي السابق والمدير الرياضي السابق لنادي أولمبيك مارسيليا، أن يفتح قلبه لمجلة "فرانس فوتبول"، لم يكن يهدف لمجرد السرد، بل كان يسعى لتشريح جسدٍ رياضي أرهقته الأزمات، واصفاً تجربته بأنها مواجهة مباشرة مع ما أسماه "ثقافة الرداءة المتجذرة".
اعترافات الندم: حينما تعاند الاستقالةُ تيارَ الفشل
بشجاعة الأديب الذي يقر بزلات قلمه، استهل مهدي بن عطية حديثه بالإقرار بخطئه الأكبر؛ وهو التراجع عن قرار استقالته في فبراير الماضي. يرى بن عطية أن البقاء في بيئة طاردة للنجاح هو نوع من استنزاف الذات، مؤكداً تحمله جزءاً من المسؤولية المعنوية عن إخفاق الفريق في الحفاظ على مقعده في دوري أبطال أوروبا، وهو الإخفاق الذي شبهه بالغرق في "مستنقع مزمن" يعجز النادي عن الفكاك منه.
لغة الأرقام: من المسؤول عن نزيف "الجنوب الفرنسي"؟
يرفض بن عطية أن يُلبس ثوب المذنب في الأزمة المالية التي تعصف بالنادي، مستخدماً لغة الإحصاء كدرعٍ صلبة في وجه الشائعات. إن تضخم الديون والارتباك في سياسة التعاقدات لم يكن وليد صدفة أو نتاج فترة وجيزة، بل هو تراكم سنوات من التخبط الذي سبق وصوله، ويمكن تلخيص المشهد في الحقائق التالية:
- وتيرة الانتقالات الجنونية: شهد النادي إجراء نحو 35 صفقة انتقال في كل نافذة شتوية وصيفية قبل قدوم بن عطية بوقت طويل، مما خلق حالة من عدم الاستقرار الفني.
- تطهير القائمة: واجه النادي ضرورة عرض 15 لاعباً من أصل 23 للبيع، وهي محاولة قاسية لترميم الصدع المالي الذي ورثته الإدارة الحالية.
- المسؤولية المالية: يؤكد بن عطية أن سياسة التعاقدات الكثيفة كانت نهجاً ثابتاً قبل توليه المنصب، مما يجعل اتهامه بالتسبب في المأزق المالي مجرد "شماتة" تفتقر للدقة.
مرارة الخيانة وظلال "الكويت": كواليس السوبر الفرنسي
تحدث مهدي بن عطية بنبرة يملؤها الأسى عن شعوره بـ "الخيانة" قبل مواجهة باريس سان جيرمان في كأس السوبر الفرنسية التي استضافتها الكويت مطلع عام 2026. تلك المباراة التي انتهت بالتعادل 2-2 قبل الخسارة بركلات الترجيح 4-1، لم تكن مجرد خسارة كروية، بل كانت انعكاساً لشرخٍ عميق في العلاقة مع رئيس النادي آنذاك، بابلو لونغوريا.
ولم يتوقف بن عطية عند الإدارة، بل وجه نبال نقده نحو سلوك بعض اللاعبين، متهماً إياهم بـ "الانتهازية الفنية" واختيار المباريات التي يبرزون فيها فقط. واستشهد بمشاهد من معسكر ساحل العاج، حيث كان اللاعبون يغرقون في الاحتفالات والغناء، في وقت كان فيه مالك النادي، فرانك ماكورت، يغرق في هموم النتائج والديون.
الخاتمة: الحقيقة التي لا تُقدّر بثمن
ختم مهدي بن عطية حديثه برسالة تحمل كبرياء الفرسان؛ فهو لم يطلب تعويضاً مالياً عند رحيله، ولم يقبل بتوقيع اتفاقيات السرية التي تشتري الصمت بالمال. إن موقف بن عطية يذكرنا بأن النزاهة في عالم الرياضة، كما في الأدب، هي العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها بمرور الزمن. لقد اختار أن يترك مارسيليا بجسده، محتفظاً بصوته حراً، ليثبت أن الحقيقة، مهما كان ثمنها باهظاً، تبقى هي الملاذ الأخير لمن أراد الإصلاح حقاً.



اترك تعليقاً