موقف الإسلام من المخترعات الحديثة: رؤية شرعية ومقاصد إيمانية

# موقف الإسلام من الصناعات والمخترعات: غايات نبيلة وتسخير رباني

مقدمة: الإنسان وعمارة الأرض

الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وهادياً للبشرية إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم. أما بعد، فإن المتأمل في ملكوت الله الفسيح، يدرك يقيناً أن هذا الكون لم يُخلق عبثاً، وأن الإنسان لم يُترك فيه سُدى، بل إن الله عز وجل قد استخلفه في هذه الأرض ليعمرها بطاعته، ويستخرج كنوزها بحكمته، ويسخّر قواها فيما يرضي ربه وينفع خلقه.

إن قضية المخترعات الحديثة في الإسلام ليست مجرد ترف فكري، بل هي صلب الرسالة التي تدعو إلى إعمال العقل واستثمار الجهد البشري لتجاوز العقبات التي تعترض مسيرة الحياة. فما هي الغاية الحقيقية من هذه الصناعات؟ وما هو الموقف الشرعي الدقيق الذي يقفه الإسلام من هذا الطوفان التقني والمعرفي؟

أولاً: الغاية الأسمى من الصناعات والمخترعات

إن الغاية من وجود هذه الصناعات وتتابع تلك المخترعات، كما نراها في ضوء الفطرة السليمة والمنهج القويم، تتلخص في التغلب على تلك العقبات والصعوبات الجسيمة التي تعترض سير الحياة الإنسانية. هذه الصعوبات التي كان منشؤها الأول هو الجهل بخصائص المادة، والضعف البشري الفطري أمام قوى الطبيعة الهائلة.

لقد أودع الخالق سبحانه في هذا الكون قوىً عظيمة، وخيراتٍ وفيرة، وخزائنَ مبثوثة في السماوات والأرض، وما كان للإنسان أن يصل إليها أو ينتفع بها إلا من خلال إعمال الفكر والبحث العلمي والصناعة المتقنة. إن الهدف هو الانتفاع بهذه القوى المودعة، واستخدامها لمقاصد صحيحة، وغايات رشيدة، بعيدة كل البعد عن العلو في الأرض أو الفساد فيها. فالمخترع المسلم لا يبتكر ليدمر، والصانع المؤمن لا يصنع ليطغى، بل الغاية هي تيسير سبل العيش، وتقريب المسافات، وحفظ الأنفس والأموال.

ثانياً: التدرج التاريخي.. من الحيوان إلى الطيران

لقد كان الإنسان في قديم الزمان يقطع الفيافي والقفار مشياً على قدميه، يتحمل وعثاء السفر، وحر الهجير، وبرد الشتاء، لا يملك إلا قوته البدنية المحدودة. ثم منّ الله عليه، فألهمه أن يسخر الحيوان لخدمته، فاتخذ الخيول العتاق، والإبل التي هي سفن الصحراء، ثم تفتق ذهنه عن اختراع العجلات التي سهلت نقل الأثقال.

ولم يزل الإنسان يتدرج في سلم الاختراع، ويترقى في معارج الاكتشاف، مدفوعاً بحاجته الفطرية وتوفيق الله له، حتى انتقل من العربة التي تجرها الخيول إلى القطار البخاري ثم الكهربائي، ومنه إلى السيارة السريعة، وصولاً إلى الطائرة التي تخترق عنان السماء وتطوي المسافات طياً. وكذلك كان الشأن في البحار؛ فبعد أن كانت السفن الشراعية رهينة لاتجاه الرياح وقوتها، أصبحت البواخر الضخمة تمخر عباب المحيطات بقوة المحركات الجبارة.

إن هذا التطور المذهل لا بأس به في ميزان الإسلام، بل هو أمرٌ يُحمل على المحامد، ويُستقبل بالبشر والترحاب، بشرط أن يكون ذلك كله تابعاً لمقاصد صحيحة، وغايات مثمرة. فإذا سافر الإنسان بهذه الوسائل لغرض جدي، كطلب علم، أو صلة رحم، أو كسب حلال، أو نصرة مظلوم، فقد حقق الغاية من وجودها.

ثالثاً: ثمار المخترعات في ميزان المنافع

إن هذه الوسائل الحديثة قد وفرت على البشرية الوقت والجهد، وهما من أغلى ما يملكه الإنسان. فبواسطتها يحمل المرء أثقاله إلى بلد لم يكن بالغه إلا بشق الأنفس، كما قال تعالى في كتابه العزيز واصفاً نعمة الأنعام، وهو ما ينطبق بالقياس والتبعية على هذه المخترعات التي هي من فضل الله وإلهامه:

> “وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ”

إن توفير الوقت والقوة يتيح للمسلم أن يتفرغ لعمارة روحه، وعبادة ربه، والقيام بمسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه. وقس على وسائل النقل سائر القوى الطبيعية والمخترعات الحديثة في مجالات الطب، والاتصالات، والزراعة، والصناعة؛ فكلها نعمٌ إلهية إذا ما استُخدمت في وجوه الخير، وانتفع بها الإنسان انتفاعاً مشروعاً، وسخّرها لمقاصد رشيدة نافعة.

رابعاً: موقف الإسلام الواضح من التقدم العلمي

إن موقف الإسلام من المخترعات الحديثة بيّنٌ جليّ، لا غموض فيه ولا لبس. فالإسلام ينظر إلى الإنسان بكونه خليفة الله في أرضه، وقد أخبرنا الحق سبحانه أن العالم بأسره قد سُخّر لهذا الإنسان ليقوم بمهمة الاستخلاف على أكمل وجه. هذا التسخير يشمل ما سُخر لنا بتصرف مباشر منا، وما سُخر بتقدير إلهي لا دخل لنا فيه.

يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة:

> {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٩]

تأمل يا رعاك الله في قوله {خَلَقَ لَكُم}؛ إنها اللام التي تفيد الملكية والانتفاع والتخصيص. فكل ما في الأرض من معادن، وطاقات، وقوى مغناطيسية، وكهربائية، وذرية، هي مخلوقة لأجلنا، لنكتشفها ونطوعها لنفع البشرية وإعلاء كلمة الله.

خامساً: ضوابط الانتفاع بالمخترعات في حياة المسلم

المسلم لا يقف عند حدود الاستهلاك السلبي لهذه المخترعات، بل هو ينتفع بكل ما أودع الله في الكون من قوة في سبيل غايات كبرى، منها:

1. الجهاد في سبيل الله: باستخدام أحدث التقنيات لحماية بيضة الإسلام، والدفاع عن الأوطان، وردع المعتدين.
2. نشر الدين وإظهاره: عبر وسائل الاتصال الحديثة التي جعلت العالم قرية واحدة، مما يسهل وصول رسالة الإسلام إلى كل بيت في أصقاع الأرض.
3. إعلاء كلمة الله: بأن يرى العالم نموذجاً للمسلم القوي المتمكن علمياً وتقنياً، المتمسك بأخلاقه وقيمه.
4. التجارة المشروعة والكسب الحلال: باستخدام وسائل النقل والتقنيات المالية الحديثة لتنمية الاقتصاد الإسلامي.
5. المنافع المباحة: من تيسير للحياة اليومية، وعلاج للأمراض، وتطوير للعلوم التي تخدم البشرية.

سادساً: التحذير من العلو والفساد

رغم تشجيع الإسلام على الاختراع والابتكار، إلا أنه وضع سياجاً أخلاقياً متيناً يحمي البشرية من طغيان المادة. فكل مخترع يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، أو يروج للرذيلة، أو يُستخدم للظلم والقهر، فهو وبالٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة. إن القاعدة الشرعية تقول: “لا ضرر ولا ضرار”، وهي الميزان الذي نزن به كل إنتاج بشري.

إن الإسلام يريد صناعةً تبني ولا تهدم، تقرب ولا تفرق، ترحم ولا تظلم. يريد مخترعات تزيد الإنسان إيماناً بعظمة الخالق، لا غروراً بما وصل إليه عقله المحدود.

خاتمة: نحو نهضة علمية إيمانية

في الختام، إن المخترعات الحديثة في الإسلام هي أدوات سخرها الله لنا لنقوم بواجب العبودية والعمارة. فعلى المسلمين اليوم أن يستعيدوا دورهم الريادي في ميادين العلم والصناعة، مستلهمين ذلك من كتاب ربهم الذي جعل الكون كله مسخراً لهم.

إن علينا أن نأخذ بهذه الأسباب بقوة، وأن نملأها بروح الإيمان، ليكون إنتاجنا العلمي والصناعي رحمة للعالمين، وشاهداً على عظمة هذا الدين الذي يجمع بين طهارة الروح وبراعة العقل، وبين عبادة الله وعمارة الكون. نسأل الله أن يوفق أمتنا لما فيه صلاحها وفلاحها، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *