نبراس المودة: الهدي النبوي في المعاشرة الزوجية بين الحقوق والواجبات
حينما يشرع المتأمل في سبر أغوار المعاشرة الزوجية في الإسلام، يجد أن الرؤى قد تباينت في فهم كنه هذه الرابطة ومقاصد الشريعة منها؛ فثمة فئة اختزلت العلاقة الزوجية في قوالب جامدة وتصرفات ميكانيكية تخلو من روح المودة، وفئة أخرى حصرتها في فلك العاطفة المحضة والشهوة العابرة، بحيث يغدو الوفاء بالحقوق رهيناً بتقلبات الوجدان، فإذا نضب معين الرغبة، جفّ معه رصيد الاحترام والتقدير.
بيد أن الحق الذي لا مرية فيه هو أن كلا الفريقين قد نأى بجانبه عن الصورة المثلى التي رسمها الإسلام للحياة الزوجية، تلك العلاقة التي وصفها الخالق سبحانه وتعالى بأنها "ميثاق غليظ". إن هذا الرباط المقدس لا ينمو ولا يستديم إلا برعاية الحقوق المتبادلة، ويزكو أكثر بالمعاشرة بالمعروف، فبالإحسان الصادق تُجبر الكسور وتُتلافى وجوه النقص والقصور.
المعاشرة بالمعروف: جوهر الهدي القرآني
إن استقراء هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أزواجه يكشف عن امتثال كامل لقول الله عز وجل: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). والمقصود الأسمى من هذه المعاشرة هو ائتلاف الأرواح وتلاقي النفوس، بحيث لا يكون التباعد -إن حدث- هوةً سحيقة تزداد عمقاً مع كل عثرة، بل يبقى جسر المودة ممدوداً.
إن ذوي النفوس الزكية هم الذين يستمسكون بمكارم الأخلاق حتى في أحلك الظروف. ومن أشق الأمور على النفس احتمال ما قد يصدر من الزوجات مما يورث الحزن، وهنا ينجلي جوهر الرجال: أيرد السيئة بمثلها أو بما هو أدهى؟ أم يدفع بالتي هي أحسن وأرفق؟ لعل ذلك الإحسان يوقظ ضميراً غافلاً ويقلب الخصومة مودة، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. وهذا المقام يتطلب قوة إيمانية وصبرأً جميلاً؛ مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت: 35].
الصبر الإيجابي والتوازن في الحقوق
ليس صبر الكرام على الأذى صمتاً سلبياً أو عجزاً، بل هو صبر إيجابي يشخص الداء ويختار الدواء، مدركاً أن الزمن جزء من العلاج. فلا يدفعهم العجل لاستبدال الكلمة بالسوط، ولا السوط بالسيف، بل ينقبون عن أسباب الشقاق ويصلحون ما فسد بالحلم والأناة.
وقد نبه الإمام محمد رشيد رضا إلى معنى جليل في سنة الزواج قلّ من فطن إليه، وهو أن المعاشرة بالمعروف ليست قيداً على الرجل وحده، حيث يقول: "وفي المعاشرة معنى المفاعلة والمساواة، أي عاشروهن بالمعروف، وليعاشرنكم كذلك… والمقصود أن يكون كل منهما سكناً لصاحبه، وسبباً لسعادته في حياته". فكل برّ نندب إليه الرجال، يجب على النساء امتثاله؛ إذ إن حسن تبعل المرأة لزوجها عبادة سامية ترفع درجاتها عند الله عز وجل، وبها يصلح شأن المجتمع بأسره.
تجليات الرقي النبوي في فن التعامل
تتعدد صور المعاشرة بالمعروف في الحياة الزوجية، ومن أبهى صورها:
- بشاشة الوجه ولين الجانب: إذا كانت الابتسامة في وجه الغريب صدقة، فكيف بها في وجه الزوجة صاحبة الحق العظيم؟ إن الابتسام مع إفشاء السلام يفتح مغاليق القلوب، ولنا في قوله تعالى عبرة: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159].
- كف الأذى والتغافل: كف الأذى عبادة تجلب السكينة للبيت، وشر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه. كما أن التغافل عن الهفوات دليل على سعة الصدر وشرف النفس، فالصفح من شيم الكرام الذين يعذرون الخطأ العارض.
- المشاركة الوجدانية والحوار: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصص وقتاً للحديث مع أهله، فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله [يعني ميمونة] ساعة ثم نام". إن الحوار هو الحبل السري الذي تغتذي منه السعادة الزوجية، وهو كفيل بوأد المشكلات في مهدها.
من فيض السيرة: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟
قدم النبي صلى الله عليه وسلم نماذج عملية في إكرام الزوجة، فكان:
- معيناً في شؤون البيت: قالت عائشة رضي الله عنها: "كان يكون في مهنة أهله"، أي في خدمتهم.
- متلطفاً في النداء: كان يمازحهن ويناديهن بأحب الأسماء، كقوله لعائشة: "يا عائش".
- مراعياً للمشاعر: كان يتحمل الغيرة بحلم، ويؤنس وحشتهن، ويشاركهن الطعام والشراب في مودة بالغة؛ فكان إذا شربت عائشة من إناء أخذه فوضع فمه موضع فمها وشرب.
- مقدراً للهو المباح: كان يمكن السيدة عائشة من اللعب، ويسمح لها بمشاهدة الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي تستند إلى كتفه الشريف.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفقد أحوال نسائه جميعاً بعد صلاة العصر، فإذا جنّ الليل عاد إلى بيت من كان دورها ليخصها بليلته، في عدلٍ تامّ وخلقٍ رفيع. يقول القسطلاني: "هكذا كانت أحواله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه: لا يغلظ عليهن، ويعذرهن، وإذا أقام ميزان العدل بينهن، أقامه بلا انزعاج ولا غضب".
الخاتمة
إن المتأمل في هذه السيرة العطرة يدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل رقي الرجل وكماله مرهوناً بحسن تعامله مع أهله، حين قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". فما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذا الهدي النبوي، لنبني بيوتاً لا تقوم على جفاف الحقوق والواجبات فحسب، بل ترفرف عليها أجنحة الرحمة وتزهر فيها رياحين المودة. اللهم اهدِ قلوبنا، وأصلح بيوتنا، واجعلنا متبعين لسنة نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم في كل شأننا.



اترك تعليقاً