نبض الحياة تحت القصف: جولة في سوق غوهر دشت بمدينة كرج الإيرانية
مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الرابع، تبدو ملامح الحياة في مدينة كرج (30 كلم غرب طهران) مزيجاً معقداً من الإصرار على البقاء والترقب الحذر. سوق "غوهر دشت" الشهير، الذي كان قبل شهرين فقط بؤرة للاحتجاجات العارمة، تحول اليوم إلى مسرح لنوع آخر من الصراع؛ صراع من أجل استمرارية الحياة تحت دوي الانفجارات.
أسواق كرج: أضواء العيد تصارع شبح الحرب
عشية رأس السنة الفارسية، ورغم انتهاء فترة الحداد التي أعلنتها الحكومة على رحيل المرشد الأعلى السابق، بدا السوق نابضاً بالحركة. الأضواء المتلألئة والبضائع المتراصة حاولت جاهدة طمس هواجس الحرب التي تخيم على الوجوه.
يقول "رضا" (28 عاماً)، صاحب محل للملابس الرجالية: "كنت أتوقع أن يتوقف كل شيء، لكن الحياة عادت بسرعة مذهلة في الأسبوع الثالث من الحرب. الناس هنا يحاولون اقتناص لحظات الفرح رغم أن الأعداد أقل من المعتاد في الأعوام السابقة".
من "الحرية" إلى "البقاء": تحول دراماتيكي في المطالب
رصدت الجولة تحولاً عميقاً في أولويات الشباب الذين قادوا احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية". الشابة "آوينا" (22 عاماً)، طالبة الهندسة المعمارية، تعبر عن خيبة أملها قائلة: "كنا نهتف للتغيير، والآن نصرخ انتباهاً للغارات. الحرب التي يشنها نتنياهو وترمب لا تمنحنا الحرية، بل تحرق مستقبلنا".
وتشاركها زميلتها "محدثة" الرأي، مؤكدة أن حلم التغيير تراجع أمام حلم السلام: "النظام لم ينهار، بل إن شعبيته تزداد تحت ذريعة الدفاع عن الوطن ومواجهة العدوان الخارجي".
جبهة داخلية موحدة خلف القيادة الجديدة
في حي "رجائي شهر"، تبدو لافتات الحداد على المرشد الراحل متجاورة مع يافطات التهنئة بانتخاب نجله مجتبى خامنئي خلفاً له. الحاج بيمان (59 عاماً) يرى أن العدوان الأجنبي يوحد الإيرانيين رغم خلافاتهم الداخلية، مؤكداً: "عندما يقصف الأجنبي بلادنا، نتحد جميعاً خلف قواتنا المسلحة".
ملامح التغيير في الشارع الإيراني:
- تراجع الاحتجاجات: تحول الهتافات من إسقاط النظام إلى المطالبة بالانتقام والتعبئة العامة.
- الأولوية للبقاء: الناشطون الذين قادوا الحراك الطلابي باتوا يرون في "البقاء أحياء" الخيار الوحيد حالياً.
- المزاج الشعبي: مزيج من الغضب تجاه الخارج، والقلق من المستقبل، والرغبة في حماية الوطن.
مسيرات الغضب: "إيران الصغيرة" تطالب بالثأر
في الساحة الأولى من حي غوهر دشت، انطلقت مسيرة شعبية حاشدة في ذات المكان الذي شهد احتجاجات غاضبة مطلع العام. لكن هذه المرة، كانت الحناجر تصدح بشعارات "لا سلام ولا استسلام" و"الموت لأمريكا وإسرائيل"، مطالبة بالثأر لدماء المرشد الراحل ومواجهة التهديدات الخارجية.
لقد أثبتت الحرب على إيران، حتى الآن، أنها أعادت رسم خارطة التناقضات في المجتمع الإيراني؛ فبين قلب ينزف خيبة، وآخر ينبض بالانتقام، تظل مدينة كرج شاهدة على تعقيدات المشهد الإيراني الذي يلفه الدخان والغموض.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً