في زقاق "إجزم".. حين يواجه التاريخ نفسه
خلف باب حديدي محكم الإغلاق في قرية "إجزم" جنوب حيفا، وقف التاريخ حائراً؛ زوجان مسنان قدما من بروكلين يتحصنان خلف الجدران، يقابلهما صاحب الدار الأصلي الذي غادرها قبل سبعين عاماً ليعود إليها زائراً غريباً. هذا المشهد المأساوي هو الثمرة المرة لقرار اتخذه طرف ثالث للتكفير عن ذنب اقترفه طرف رابع، إنه تجسيد حي لتبعات "وعد بلفور" الذي زرعت به بريطانيا جسماً غريباً في قلب فلسطين.
اليوم، يبدو أن السم الذي نفثته تلك البذرة بدأ يطال الزارع نفسه. ففي تحول دراماتيكي، أعلنت بريطانيا أنها لم تعد تطيق صمتاً على الممارسات التي كانت هي ممهدة طريقها، لتبدأ فصلاً جديداً من المراجعة السياسية التي قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، وتضع العقوبات البريطانية على إسرائيل في صدارة المشهد الدولي.
لغة الأرقام: حين تصرخ الأرض من وطأة الاستيطان
لم تكن المواقف البريطانية الأخيرة مجرد رد فعل عاطفي، بل جاءت نتيجة إحصائيات مرعبة تعكس تغولاً استيطانياً يهدد باجتثاث الوجود الفلسطيني تماماً. فالأرقام تخبرنا بحقائق لا يمكن القفز فوقها:
- انفجار استيطاني: قفز عدد المستوطنين في الضفة الغربية من 270 ألفاً عام 1993 إلى 770 ألفاً في عام 2026.
- فاتورة الدم في غزة: أسفر العدوان عن ارتقاء 73,669 فلسطينياً، أغلبهم من النساء والأطفال، في عملية إبادة جماعية هزت الضمير العالمي.
- الشتات الفلسطيني: يواجه نحو 3.5 ملايين فلسطيني في الضفة خطر التهجير ليلتحقوا بأكثر من 8 ملايين لاجئ في أصقاع الأرض.
إد ميليباند ومواجهة "التطهير العرقي"
بصوت واثق أمام مجلس العموم، أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن بريطانيا "لن تصمت بعد الآن". لم يكن تصريحاً عابراً، بل كان إقراراً رسمياً بوقوع "تطهير عرقي" في الضفة الغربية تنفذه جماعات يصفها بالـ "إرهابية". هذا الخطاب يمثل ذروة التحول في السياسة الخارجية، حيث لم تكتفِ لندن بالإدانة اللفظية، بل حشدت ائتلافاً يضم 11 دولة غربية (من بينها فرنسا وكندا وإسبانيا) لفرض قيود تجارية وطنية على سلع المستوطنات.
هذا التحرك الاقتصادي يستهدف العمود الفقري للاستيطان، حيث تشمل الإجراءات:
- حظر استيراد البضائع: منع دخول أي منتج مصدره المستوطنات غير القانونية.
- استهداف المؤسسات المالية: التلويح بفرض عقوبات على البنوك وشركات التأمين التي تمول المشاريع الاستيطانية، مما يضعها أمام خيار صعب بين مصالحها الدولية ونشاطها غير القانوني.
لعنة العقد الثامن: هل تقترب النبوءة؟
بينما تشتعل المعركة الدبلوماسية، يتسلل القلق إلى الداخل الإسرائيلي، ليس من العقوبات فحسب، بل من "لعنة تاريخية" يؤمن بها قادتهم. فقد استذكر بنيامين نتنياهو وإيهود باراك مراراً أن الدولة اليهودية لم تعمر عبر التاريخ أكثر من 80 عاماً إلا في فترات نادرة، بدأت بعدها في التفكك.
ومع وصول إسرائيل إلى عقدها الثامن، تزداد مؤشرات التآكل الداخلي وفقدان الردع، خاصة بعد عملية "طوفان الأقصى" التي أثبتت أن أي نبتة غريبة يمكن اجتثاثها. إن خسارة إسرائيل لـ "معركة الرواية" في العواصم الغربية، وعلى رأسها لندن وواشنطن، تعني أن الحصانة الأخلاقية والسياسية التي تمتعت بها لعقود بدأت في التلاشي.
الخاتمة: حين يسقط القناع عن الظالمين
إن ما يحدث اليوم في داوننغ ستريت ليس مجرد تغيير في المواقف السياسية، بل هو اعتراف متأخر بفظاعة الخطأ التاريخي. عندما يقرر أحفاد بلفور محاصرة نتاج وعد جدهم، فإنهم يوقعون على شهادة فشل المشروع الذي أراد إقامة دولة على حساب محو شعب. إن العدالة، وإن تباطأت خطوها، فإنها تظل الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن طمسها بالبارود أو تزييفها بالوعود؛ فالحق في الأرض لا يسقط بالتقادم، والضمير الإنساني حين يستيقظ، يقلب الطاولة على الظالمين مهما طال تحصنهم خلف الأبواب المغلقة.



اترك تعليقاً