صرخة من وادي اليرموك: هل توقف الحجارة زحف الآليات؟
تستيقظ الذاكرة السورية اليوم على وقع رصاصٍ لم يفرق بين براءة طفولة وعنفوان شباب، حيث باتت قرى الجنوب مسرحاً لغطرسة لا تعرف الحدود. يطرح المشهد الدامي في ريف درعا تساؤلاً جوهرياً حول مصير الاستقرار في منطقة وادي اليرموك، بعد أن صار الاحتلال الإسرائيلي في درعا يكتب فصولاً جديدة من الانتهاكات اليومية، محولاً هدوء الحقول إلى ساحات مواجهة غير متكافئة.
تفاصيل الاعتداء: دماءٌ على تراب قرية جملة
في مساءٍ مثقل بالتوتر، أطلقت قوات الاحتلال نيران أسلحتها باتجاه مجموعة من المدنيين في قرية جملة. لم تكن الرصاصات عشوائية، بل كانت تستهدف إرادة الأهالي الذين حاولوا بصدورهم العارية وأحجارهم البسيطة سد الطريق أمام توغل عسكري غاشم.
يروي المصاب عيسى محمد، بلسان الصابر المحتسب، كيف باغتهم الرصاص أثناء محاولتهم حماية قريتهم، حيث استقرت رصاصة في قدمه، بينما نالت رصاصة أخرى من قدم طفلٍ صغير، مما أدى إلى تفتت في العظم؛ وهي إصابة طبية بالغة تشبه في قسوتها تفتيت الأمل في نفوس الآمنين.
التوسع العسكري: أرقام وحقائق من الميدان
لم يكن الاعتداء على قرية جملة حدثاً معزولاً، بل هو جزء من تحرك عسكري منهجي يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض. تظهر الإحصائيات والوقائع الميدانية حجم هذا التغول:
- القوة المتوغلة: 6 آليات عسكرية اقتحمت قرية جملة وأقامت حاجزاً شمالياً.
- الانتشار المدرع: توغل دباباتين من طراز (ميركافا) من منطقة تل أبو الغيثار باتجاه وادي الرقاد.
- الاستهداف المتعدد: تعرض محيط قرية معرية المجاورة لرشقات بالأسلحة الرشاشة من ثكنة الجزيرة.
- وتيرة التحركات: رصد دخول آليتين عسكريتين إلى وادي الرقاد قبل يوم واحد فقط من حادثة جملة، مما يشير إلى استطلاع عملياتي مستمر.
السياق السياسي: خرق اتفاقات الماضي وواقع الجنوب الجديد
تعيش المنطقة حالة من السيولة الأمنية منذ سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024. وقد اتخذت إسرائيل من هذا التحول ذريعة لإعلان انهيار اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وهو الاتفاق الذي كان يمثل المظلة القانونية (وإن كانت هشة) لمنع الاحتكاك المباشر.
إن ما يحدث اليوم هو انتهاك صريح للسيادة السورية، حيث يمارس الاحتلال عمليات تجريف للأراضي وإقامة حواجز عسكرية داخل العمق السوري، في محاولة لترسيم حدود جديدة بالدم والحديد. هذا التوغل يتجاوز كونه خرقاً عسكرياً؛ إنه محاولة لفرض وصاية جغرافية على منطقة حوض اليرموك الاستراتيجية.
الخاتمة: حجر القرية في وجه آلة الحرب
إن إغلاق أهالي قرية جملة للطرقات بالحجارة هو بيانٌ أدبي وسياسي بليغ؛ فالحجر في يد صاحب الأرض أقوى من القذيفة في يد الغاصب. يبقى الاحتلال الإسرائيلي في درعا جرحاً نازفاً في خاصرة الوطن، لكنه جرحٌ يذكرنا بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعوب هي الصخرة التي تتحطم عليها أوهام القوة العسكرية مهما بلغت سطوتها.



اترك تعليقاً