نساج الأمل في رأس المتن: حين تعانق ريشة الفن مِشرط الشفاء ومِغزل العمل

نساج الأمل في رأس المتن: حين تعانق ريشة الفن مِشرط الشفاء ومِغزل العمل

نساج الأمل في رأس المتن: حين تعانق ريشة الفن مِشرط الشفاء ومِغزل العمل

هل يمكن لغرزة خيط دقيقة أن ترفأ ثوباً مزقته أنياب الأزمات الاقتصادية العاتية؟ في بلدة "رأس المتن" الرابضة على كتف الجبل اللبناني، تجيب جمعية سيدات رأس المتن عن هذا التساؤل بفعلٍ إبداعي حي، محولةً غرفة صغيرة بدأت قبل أربعين عاماً إلى صرحٍ يتنفس عملاً وفناً وعافية.

عودة "هند": انبعاث المهارة من رماد الانقطاع

بعد ربع قرن من الغياب خلف أسوار المسؤوليات العائلية، تجد السيدة "هند المصري" نفسها اليوم أمام آلة الخياطة من جديد. عودتها ليست مجرد استعادة لمهنة قديمة، بل هي رحلة بحث عن الذات والكتف الساند لأسرة تواجه أمواج الغلاء المتلاطمة. تنضم هند إلى كوكبة من النساء في مشغل الجمعية، حيث تتحول الخيوط إلى أزياء مدرسية وبذلات عمل، في محاولة لتجسير الهوة بين الاحتياج والقدرة.

وتعكس تجربة هند واقعاً إحصائياً كشف عنه تحليل إدارة الإحصاء المركزي اللبناني (أكتوبر 2026) تحت عنوان "النساء والعمل والرعاية في لبنان"، والذي أظهر أرقاماً تستدعي التأمل:

  • 70% من الإناث (15 عاماً فأكثر) يقعن خارج القوى العاملة.
  • 32% من النساء خارج سوق العمل يعزون السبب إلى المسؤوليات العائلية والمنزلية.
  • 2% فقط من الرجال يواجهون العائق ذاته المرتبط بالمسؤوليات المنزلية.

اقتصادٌ يترنح ومبادراتٌ تقاوم

تأتي هذه المبادرات في وقتٍ يمر فيه الاقتصاد اللبناني بمخاضٍ عسير. فوفقاً لتقديرات البنك الدولي الصادرة في أغسطس 2026، يواجه الواقع المالي تحديات جسيمة تتمثل في:

  1. انكماش اقتصادي: يتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 6.4% عام 2026، بعد نمو طفيف في العام الذي سبقه.
  2. تضخم جامح: تشير التوقعات إلى وصول معدلات التضخم إلى 17.5% خلال العام الجاري، مما يلتهم القدرة الشرائية للمواطن.

في ظل هذا المشهد القاتم، تبرز جمعية سيدات رأس المتن كقارب نجاة محلي، يسعى لتأمين الخدمات الأساسية بإمكانات ذاتية وتبرعات أهل الخير.

الفنُّ كاستثمارٍ للروح والمستقبل

لم تقف الجمعية عند حدود العمل الإنتاجي الصرف، بل شيدت صرحاً جمالياً يضم نحو 180 لوحة فنية. هذه المجموعة ليست مجرد زينة للجدران، بل هي سجل تاريخي لملتقيات رسم ونحت شارك فيها فنانون من بريطانيا، رومانيا، اليونان، والعالم العربي من العراق والبحرين إلى السعودية والكويت.

تدرس الجمعية اليوم بذكاء أديبٍ وحنكة خبير إمكانية تحويل جزء من هذه الثروة الجمالية إلى مورد مالي يدعم استدامة مشاريعها، مع الحفاظ على القيمة المعنوية لهذا الإرث الفني الذي يضيق به المكان حالياً، مما دفعها لتجهيز طابق إضافي يليق بعرض هذه التحف.

بلسم الجراح في قلب الجبل

من رحم الحاجة، تطور مستوصف الجمعية ليصبح مركزاً للرعاية الصحية الأولية، يقصده المرضى من نحو خمسين قرية محيطة. هذا المركز يمثل تجسيداً لـ "الأمن الصحي المجتمعي"، حيث يقدم خدماته في تخصصات دقيقة كالقلب، والأعصاب، والعيون، والأسنان بأسعار رمزية.

تعتمد استمرارية هذا المرفق الحيوي على:

  • الدعم الحكومي والأهلي: عبر وزارة الصحة وجمعية الشبان المسيحية.
  • الطاقة البديلة: تأمين الطاقة الشمسية لضمان استمرار العمل في ظل أزمات الكهرباء.
  • التكافل الاجتماعي: التبرعات التي ترفد المركز بالمعدات الطبية الحديثة، مثل أجهزة فحص السمع.

خاتمة: أربعون عاماً من نسيج الصمود

إن حكاية جمعية سيدات رأس المتن هي حكاية الصبر الجميل الذي يتحول إلى عملٍ مثمر. هي قصة "هند" التي عادت لتخيط الأمل، وقصة الطبيب الذي يداوي بأسعار رمزية، وقصة اللوحة التي تنتظر من يثمن جمالها ليدعم بقاء المؤسسة. في رأس المتن، ندرك أن المبادرات المحلية ليست مجرد سدٍ للثغرات، بل هي الروح التي تمنح المجتمعات القدرة على البقاء والازدهار مهما بلغت شدة الريح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *