نقد “الفردوس الأرضي”: تهافت الوعود المادية وبصائر الفلاح الإيماني عند المسيري

نقد “الفردوس الأرضي”: تهافت الوعود المادية وبصائر الفلاح الإيماني عند المسيري

نقد "الفردوس الأرضي": تهافت الوعود المادية وبصائر الفلاح الإيماني

لقد أشرقت شمس الحداثة الغربية بوعودٍ خلابة، توهم الإنسان أنه كلما أوغل في شعاب المعرفة المادية، وامتلك ناصية التقنية، صار أكثر تحرراً من قيود الضرورة، وأدنى دُنواً من حياة النعيم المقيم. إنها الفلسفة التي سعت لتحويل السعادة من أفقٍ غيبيٍّ يتجاوز حدود المادة إلى مشروعٍ دنيويٍّ يُنجز داخل التاريخ، فيما يُشبه محاولة بناء الفردوس الأرضي. غير أن هذا الوعد البراق يحمل في طياته مفارقةً وجوديةً كبرى؛ إذ إن تعاظم قدرة الإنسان على تشكيل العالم لم يمنحه -بالضرورة- المعيار القيمي الذي يحدد أي عالمٍ يستحق البناء، ولا أي إنسانٍ ينبغي أن يكون، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.

من الوسيلة إلى الغاية: حين يستعبد العلمُ الإنسان

في كتابه الفذ "الفردوس الأرضي"، يشرع المفكر عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- في تفكيك هذا الوهم، لا من باب معاداة العلم أو التقدم، بل من باب الاعتراض على تحول هذه المنجزات من "وسائل" تخدم كرامة الإنسان إلى "تصورات" تعيد تعريف ماهيته. إن المعضلة تكمن في استلاب المعيار؛ حيث غدت "القدرة" هي الميزان، وأصبح "الممكن تحقيقه" هو "ما ينبغي تحقيقه".

عند هذه النقطة، يتجاوز التقدم دوره في تحسين شروط العيش، ليمتد إلى العبث بمعاني السعادة والحرية. وهنا يبرز سؤال المسيري الجوهري: أين الحد الفاصل بين تحرير الإنسان من القيود التي تنتهك إنسانيته، وبين تحريره من المحددات الفطرية والشرعية التي يتكون بها وجوده؟

تيه البراغماتية وغياب المعايير المطلقة

يتناول المسيري البراغماتية بوصفها منطقاً شمولياً يتجاوز الأطر الفلسفية الضيقة؛ فالحقيقة في هذا المنظور لا تنكشف إلا عبر التجربة والنتائج النفعية. ورغم ما قد يبدو في هذا المنطق من طاقة تحريرية تفك قيود المسلمات، إلا أن المفارقة تبدأ حين تغيب المعايير التي تُحاكم الفعل نفسه.

  • حين تُقاس الفكرة بجدواها المادية فقط، يتوارى سؤال "ما ينبغي أن يكون" خلف سؤال "ما الذي يعمل؟".
  • يتحول العالم من واقعٍ له قداسة وحدود إلى مادة خام قابلة لإعادة التشكيل وفق الهوى الإنساني.
  • يُمسي الوعد بالخلاص مشروعاً أرضياً محضاً، وهو ما حذر منه الحق سبحانه وتعالى في قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}.

سُعار الاستهلاك وتشيؤ الروح الإنسانية

لا ينظر المسيري إلى المجتمع الاستهلاكي بوصفه نظاماً لإنتاج السلع، بل بوصفه مصنعاً لإنتاج "الرغبات" الدائمة. إن استمرار هذا النظام يقتضي زعزعة الاكتفاء في نفس الإنسان، بحيث يظل الرضا حالةً مؤقتةً عابرةً بين رغبتين.

لقد تحول الجسد في ظل هذا المنطق إلى مادةٍ للعرض وأداةٍ لتحفيز الطلب، وهو ما يسميه المسيري "التشيؤ"؛ أي تحويل الإنسان إلى "شيء" يُستهلك. إن هذا التوسع في عالم الأشياء يقابله انكماشٌ حاد في المعنى، مما يجعل الإنسان غريباً في هذا الفردوس المزعوم، باحثاً عن براءةٍ فطريةٍ افتقدها في زحام المادة.

الفرق الجوهري بين النجاح الدنيوي والفلاح الإيماني

يضعنا المسيري أمام تمييزٍ معرفي دقيق بين "النجاح" و"الفلاح":

  1. النجاح: هو إنجازٌ ماديٌّ يمكن رصده من الخارج (المال، الجاه، النفوذ)، وهو مطلوبٌ في إطار عمارة الأرض، لكنه يغدو وبالاً إذا صار معياراً وحيداً لقيمة الإنسان.
  2. الفلاح: هو صلاح الحياة في ذاتها، واتساق الغاية مع المنهج الرباني، وهو مفهومٌ يتجاوز النتيجة المادية إلى الرضا النفسي والذخر الأخروي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم).

إن النجاح قد يغير موقع الإنسان في السلم الاجتماعي، لكنه لا يمنح معنىً للوحدة أو الخوف أو الموت. أما الفلاح، فيضع النجاح في أفقٍ أوسع، يمنعه من أن يكون صنماً يُعبد من دون الله.

الأسرة والتحرر: بين كرامة الاستخلاف وأوهام الاستقلال

في قضية تحرير المرأة، يرى المسيري أن المشكلة تكمن في تبني نموذجٍ يجعل الحرية مرادفةً للتخلص من كل الروابط والأدوار الفطرية. إن حصر القيمة في "العمل المأجور" والإنتاج المادي أدى إلى تراجع قيمة الرعاية والتربية؛ لأنها أعمالٌ لا تخضع لمنطق السوق والتسعير.

إن الأزمة الحقيقية ليست في خروج المرأة للعمل، بل في صعود تصورٍ "فرداني" يرى في الحاجة إلى الآخرين قيداً، وفي الالتزام الأسري عبئاً. والحقيقة أن الإنسان -رجلاً كان أو امرأة- لا يتحقق وجوده إلا عبر التكامل والاحتياج المتبادل، فالطفولة والشيخوخة والمرض حقائق تؤكد أن الاستقلال المطلق وهمٌ يناقض الطبيعة البشرية.

الخاتمة: العودة إلى معيار الاستخلاف

إن قوة نقد المسيري تكمن في كشفه أن "الفردوس الأرضي" ليس إلا سراباً يحسبه الظمآن ماءً؛ فكلما زادت قدرة الإنسان المادية دون معيارٍ إيماني، زاد اغترابه عن ذاته وعن خالقه. إن المخرج يكمن في استعادة مفهوم "الفلاح" الذي يجمع بين عمارة الأرض وسلامة القلب، والاعتراف بالحدود التي رسمها الخالق سبحانه وتعالى، فهي حدودٌ تحمي إنسانيتنا ولا تقيدها.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن أفلحوا في الدنيا والآخرة، وثبت قلوبنا على دينك الذي ارتضيته لنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *