صمت المحركات في عرين الأسد
هل يمكن للمرء أن يتخيل الساحة الحمراء في موسكو، وهي القلب النابض لروسيا القيصرية والسوفياتية، تخلو من زئير الدبابات في أعظم أعيادها القومية؟ لقد أطل علينا يوم النصر الروسي في ذكراه الحادية والثمانين لانتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية بملامح مغايرة تماماً لما ألفه العالم منذ عقود. فللمرة الأولى منذ عام 2007، غابت المجنزرات الثقيلة والصواريخ العابرة للقارات عن العرض العسكري، وكأن الدولة التي طالما استعرضت عضلاتها الحديدية اختارت هذه المرة أن تهمس بدل أن تصرخ، وأن تتحصن خلف جدران الحذر عوضاً عن التباهي بنفوذ السلاح.
لقد كان الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يقبض على ناصية الحكم منذ ربع قرن، يرى في هذا اليوم منصة مقدسة لحشد الوجدان الشعبي ودعم طموحاته السياسية والعسكرية، لا سيما في ظل الصراع المستمر في أوكرانيا منذ عام 2022. لكن مشهد الساحة هذا العام جاء مجرداً من بريق الفولاذ، مقتصراً على خطوات مشاة الجيش وعرض جوي خاطف لطائرات "سو-25"، في إشارة واضحة إلى أن الأولويات قد تبدلت.
حصون الأمن وتدابير الحذر
لم يكن غياب العتاد العسكري مجرد مصادفة، بل كان انعكاساً لما وصفه الكرملين بـ "التهديد الإرهابي". لقد تحولت موسكو إلى خلية نحل من الاستنفار الأمني، حيث طغت الهواجس على مظاهر الاحتفال. ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذا المشهد الأمني الاستثنائي في النقاط التالية:
- تقليص جغرافي: إلغاء العروض العسكرية والفعاليات الجماهيرية في مدن كبرى مثل نيجني نوفغورود، وساراتوف، ومنطقة كالوغا، ومنع الألعاب النارية في المناطق الحدودية مثل بيلغورود.
- عزلة رقمية: فرضت وزارة التنمية الرقمية قيوداً صارمة على خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول والرسائل النصية في موسكو، لضمان "السلامة العامة".
- دائرة بوتين الضيقة: خضع المقربون من الرئيس، من طهاة وحراس، لرقابة مشددة شملت منعهم من استخدام النقل العام، واستخدام هواتف غير متصلة بالإنترنت، وتركيب أنظمة مراقبة داخل منازلهم.
- تفتيش مزدوج: خضع كل من يقترب من محيط الفعاليات لعمليات تفتيش دقيقة ومعقدة، في محاولة لخلق بيئة أمنية مصمتة.
هذه الإجراءات، التي يراها المراقبون الغربيون دليلاً على الخشية من اختراقات أمنية أو محاولات اغتيال، يضعها الكرملين في إطار التدابير الاحترازية الطبيعية في ظل حرب دخلت عامها الخامس.
ضيوف الساحة وحسابات السياسة
بينما كانت السماء تمطر حذراً، كانت منصة الضيوف تعكس خارطة التحالفات الروسية الراهنة. ورغم استغراب كييف لحضور شخصيات أجنبية، إلا أن القائمة ضمت قادة من بيلاروسيا، ولاوس، وماليزيا، وسلوفاكيا، بالإضافة إلى ممثلين عن مناطق انفصالية.
ومن اللافت أن رئيس وزراء سلوفاكيا، روبرت فيكو، اختار وضع إكليل من الزهور على نصب الجندي المجهول قبل العرض، لكنه آثر الغياب عن الساحة الحمراء أثناء الاستعراض، في خطوة دبلوماسية تحمل الكثير من التأويلات بين طياتها.
الذاكرة المشتركة وصراع السرديات
خلف غبار المعارك وتدابير الأمن، يدور صراع من نوع آخر حول "الورث المعنوي" للنصر. فبينما تحاول موسكو احتكار رمزية الانتصار على النازية بصفتها الوريث الوحيد للاتحاد السوفياتي، بدأت دول آسيا الوسطى (كازاخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، وتركمانستان) في استعادة أرشيفها الخاص.
لقد قاتل أبناء هذه الدول في صفوف "الجيش الأحمر" وقدموا تضحيات جسيمة، وهم اليوم يعيدون صياغة يوم النصر الروسي في قوالب وطنية محلية؛ فأوزبكستان جعلته يوماً للذكرى والتكريم، وتركمانستان تدمجه في تقويم استقلالها وحيادها. إنها محاولة لفك الارتباط الرمزي مع المركز الروسي، مع الحفاظ على قدسية التضحية التي قدمها الأجداد.
خاتمة: حين تتحدث الحكمة من خلف الستار
إن مشهد الساحة الحمراء الخالية من الدبابات في يوم النصر الروسي هو رسالة بليغة تتجاوز حدود العرض العسكري. فالعظمة لا تقاس دائماً بصلابة الفولاذ أو صخب العروض، بل بالقدرة على قراءة الواقع وتحصين البيت من الداخل. لقد آثرت روسيا هذا العام أن تحمي "رمزيتها" بدلاً من أن تعرضها للخطر، مذكرةً العالم بأن القوة الحقيقية تكمن في الحذر بقدر ما تكمن في الهجوم، وأن التاريخ، وإن كان يُكتب بدماء المحاربين، فإنه يُصان بحكمة المستبصرين.



اترك تعليقاً