أسرار العقيدة الأمنية في تونس: هل تنجو الجمهورية من فخ الولاءات؟
هل يمكن لجهاز أمني أن يخلع عباءة "حماية الحاكم" ليرتدي درع "حماية الوطن"؟ في تونس، هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو صراع وجودي تعيشه الأروقة الأمنية منذ عقود. إن الحديث عن العقيدة الأمنية في تونس يشبه التنقيب في طبقات الأرض؛ كلما غصت أعمق، وجدت بقايا عهود مضت، وبذور تحولات لم تكتمل بعد.
ما هي العقيدة الأمنية؟ تعريف يتجاوز التعليمات
تتجاوز العقيدة الأمنية حدود الأوامر اليومية الجافة؛ فهي المنظومة الفكرية التي تحدد هوية "العدو"، وترسم تخوم استعمال القوة، وتصيغ ميثاق العلاقة بين الدولة والمجتمع. هي البوصلة التي تخبر رجل الأمن: هل أنت سيف مسلط على الرقاب، أم درع يحمي الحقوق؟
تاريخياً، قامت هذه العقيدة في تونس على معادلة رقمية مثيرة للجدل، كشف عنها مدير سابق للأمن الوطني:
- 90% من الجهد الأمني مكرس للدفاع عن الدولة ومؤسساتها.
- 10% فقط مخصص لحماية النظام القائم وشخوصه.
ورغم أن البعض يرى هذه النسب معكوسة في الواقع المرير للعهود السابقة، إلا أن مجرد الاعتراف بوجود هذا الخلط بين "الدولة" و"النظام" يضعنا أمام جوهر الأزمة.
جذور النشأة: من الدولة المركزية إلى "أمن الشخص"
ولدت العقيدة الأمنية في تونس مع فجر الاستقلال، في مناخ يقدس الدولة المركزية القوية ويخشى التفتت. ومع مرور الزمن، انحرفت هذه العقيدة لتذوب في شخص الرئيس والحزب الحاكم. تحول الأمن من وظيفة دستورية إلى أداة لضبط المجال السياسي ومراقبة الأنفاس، وكأن الدولة اختصرت في جدار أمني يحمي القمة ويراقب القاعدة.
لكن التجربة التونسية شهدت تحولاً دراماتيكياً في جهاز "الأمن الرئاسي" بين عامي 2011 و2013. انتقل الجهاز من حماية "العائلة" إلى حماية "المسار". ولأول مرة في تاريخ الخضراء، وجد الأمن الرئاسي نفسه يحمي قيادات المعارضة وصناديق الاقتراع، في مشهد يجسد انتقال الولاء من الفرد إلى المؤسسة.
زلزال الثورة: حين انكسر قيد الحصانة المطلقة
لم تكن الثورة التونسية مجرد تغيير سياسي، بل كانت صدمة كهربائية أعادت ضبط الأعصاب داخل المؤسسة الأمنية. لقد أدرك الأمنيون أن زمن "الحصانة المطلقة" قد ولى، وأن المساءلة ليست مجرد شعار، بل حقيقة قد تقود إلى خلف القضبان. هذا الخوف، رغم قسوته، كان المحرك الأول نحو الاحترافية والحياد.
ويمكننا رصد ملامح هذا التحول من خلال ركيزتين أساسيتين:
- الاحتماء بالنص القانوني: الأجهزة التي عاصرت تعاقب الحكومات والوزراء منذ 2011 أصبحت أكثر حذراً، مفضلةً الاحتماء بظلال القانون بدلاً من الانخراط في مغامرات سياسية غير مأمونة العواقب.
- التطور القيمي: نشأت داخل المؤسسة أجيال تؤمن بأن المواطن صاحب حق، لا مجرد موضوع للمراقبة والسيطرة.
مخاوف الحاضر: شبح الانهيار والمساءلة
اليوم، وفي ظل الانغلاق السياسي الراهن، تسود حالة من الترقب المشوب بالحذر داخل الأجهزة الأمنية. هناك قناعة متزايدة بأن التورط المباشر في قمع الخصوم السياسيين سيكون له ثمن باهظ في المستقبل.
وتشير التقديرات داخل الأروقة الأمنية إلى أن دائرة المساءلة القضائية المستقبلية قد تتركز حول فئات محددة:
- القيادة السياسية المباشرة وبعض الوزراء الحاليين.
- نحو 40 قاضياً متخصصين في القضايا السياسية.
- عدد محدود جداً (قرابة 4 قيادات) من الرتب العليا العسكرية والأمنية المتورطة مباشرة.
أما بقية الأجهزة، فهي تحاول جاهدة الحفاظ على مسافة أمان، وهو ما يفسر مفارقة إشادة بعض المعارضين باحترافية التعامل الأمني مع الاحتجاجات الاجتماعية في الجهات، رغم الاحتقان السياسي في العاصمة.
الأمن الجمهوري: ميثاق غليظ بين القوة والقانون
إن الانتقال إلى "الأمن الجمهوري" لا يعني إضعاف الدولة، بل يعني تقويتها بالشرعية الدستورية. الجمهورية هي خضوع القوة للقانون، وارتباط الأمن بالمواطن لا بالحاكم.
تونس اليوم تقف أمام مفترق طرق: إما العودة إلى عقيدة "التعليمات الشخصية" التي تآكلت، أو المضي قدماً نحو عقيدة احترافية ترى في حيادها حماية لمستقبلها. إن الرسالة التي يفرضها الواقع اليوم واضحة: حياد المؤسسة الأمنية هو طوق نجاتها، والابتعاد عن صراعات الأجنحة هو الضمانة الوحيدة لعدم انهيار الدولة تحت وطأة الانفجارات الاجتماعية الوشيكة.
ختاماً، إن أمن تونس الحقيقي لا يكمن في فبركة المحاضر أو ملاحقة المعارضين، بل في بناء مؤسسة يثق فيها المواطن، ويحترمها القانون، وتخشاها الفوضى لا الحرية.



اترك تعليقاً