أفرأيت إن متعناهم سنين: مآل المتاع وندامة المنقطعين

مقدمة: في رحاب الموعظة القرآنية

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد وأنت للحمد أهل، وأنت الحقيق بالنعمة والفضل، والصلاة والسلام على خير البرية وأزكى البشرية؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلن، فهي العروة الوثقى، وهي خير زاد للمعاد ولقاء الملك العلام، القائل في محكم التنزيل: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]. إن التقوى هي البوصلة التي توجه المؤمن في لُجج هذه الحياة، وهي الحصن الحصين من فتن الشهوات والشبهات التي تعصف بالقلوب.

أيها المسلمون، إن الله جل في علاه قد وعظ عباده بكتابه العزيز، وجعله دستوراً ومنهاجاً، فرغبهم فيه بكل ما يقربهم إليه من طاعات وقربات، وحذرهم ونهاهم فيه عما يضرهم ويبعدهم عن حياض رحمته، ويجلب لهم سخطه وعقابه. قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]. فمن أراد جلاء قلبه، وشفاء صدره، ونور بصيرته، فعليه بكتاب الله؛ فخير ما يوعظ به هو كلام الله تعالى؛ قال سبحانه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45].

وقفة مع آيات سورة الشعراء: الحقيقة العارية

أيها المؤمنون، لما كان القرآن العظيم هو أعظم ما يُذكر به العبد، وأجلّ ما يوقظ القلوب من رقدتها، فإننا اليوم نقف وقفة تأمل واعتبار مع آيات مباركات من سورة الشعراء، نستقي من فيض هداها، وما تضمنته من وعظ ورشاد. يقول الحق سبحانه: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سنينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 204 – 207].

هذه الآيات تهز الوجدان هزاً، وتضع الإنسان أمام حقيقته الكبرى. قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: “هذا إنكار من الله تعالى على المجرمين ممن لا يؤمنون به ولا يصدقون رسله، وتهديداً لهم”. لقد كان المشركون يستعجلون العذاب تكذيباً وسخرية، قائلين للنبي صلى الله عليه وسلم: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 29]، فوصفهم الله بقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج: 47].

ولكن، هل فكر هؤلاء في مآل هذا الاستعجال؟ يقول عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ}؛ أي: لو أننا أمهلناهم، وأطلنا في أعمارهم، وفتحنا عليهم أبواب كل شيء من النعيم والرفاهية لسنوات طوال، ثم جاءهم أمر الله وعذابه، فأي شيء يغني عنهم ذلك المتاع؟ إن اللذة تذهب، ويبقى الحساب. إن السنين مهما طالت فهي إلى زوال، وكأنها لم تكن.

بلاغة التشبيه وعمق الأثر

إن القرآن يقرر حقيقة نفسية وواقعية؛ وهي أن العذاب إذا نزل أنسى صاحبه كل لذة ذاقها في عمره. يقول الله تعالى عن قصر مدة الدنيا في أعين من يواجهون الآخرة: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46]. ومهما تمنى الإنسان الخلود، كما قال سبحانه: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُ} [البقرة: 96]، فإن النهاية واحدة.

وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في الحديث الصحيح الذي يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالكافر فيُغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب».

تأملوا يا عباد الله! غمسة واحدة في النار تمحو ذاكرة آلاف السنين من اللذات والشهوات، وصبغة واحدة في الجنة تنسي العبد كل آلام الدنيا وأحزانها وفقرها. ولهذا كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت المؤثر:

*كأنك لم توتر من الدهر ليلة … إذا أنت أدركت الذي كنت تطلبُ*

موعظة الإمام ابن الجوزي: الإنسان ابن وقته

وممن وقف مع هذه الآيات العظيمة وقفة مودع ومذكر، الإمام ابن الجوزي رحمه الله، الذي كان لسان وعظه يلين الصخر. يقول ابن الجوزي: “اعلم أن الآدمي ابن وقته؛ لأن ما مضى لا لذة له، فلا تغتر بمد المهل ولا تنسَ قرب الأجل، فالأيام رواحل وستصل الرواحل، تأهب لحوض سترده، يا خاسرًا رأس المال وما يفتقده، يا طالبًا طول البقاء وما يجده”.

ويدعو ابن الجوزي إلى التدبر في مصائر الجبابرة والملوك، فيقول بنبرة تملؤها الحكمة: “تدبروا أموركم تدبر ناظر، أين السلطان الكبير القاهر؟ كم جمع في مملكته من عساكر، وكم بنى من حصون ودساكر، وكم تمتع بحلل وأساور، وكم علا على المنابر ثم آخر الأمر إلى المقابر! العاقل من ينظر فيما سيأتي ويقهر بعزمه شر الهوى العاتي، وإذا قالت النفس حظي، قال: حظي نجاتي”.

إن هذه الكلمات ترسم لنا طريق النجاة؛ فالنظر يجب أن يكون إلى العواقب لا إلى البدايات المخدوعة بالبريق الزائف. أين تعب الصائمين في الهواجر؟ لقد ذهب التعب وبقي الأجر. وأين لذة العاصي الفاجر؟ لقد ذهبت اللذة وبقي الوزر. رحلت اللذة من الأبدان إلى الصحائف، وذهب نصب الصالحين فكأن لم يتعب من صابر اللذات، وكأن لم يلتذ من نال الشهوات.

قصص وعبر من غابر الزمان

لقد سطر التاريخ قصصاً تعزز هذا المعنى القرآني العظيم. روي أن نبي الله داود عليه السلام رأى راهبًا في قلة جبل فصاح به: يا راهب، من أنيسك؟ فقال: اصعد تره. فصعد داود فإذا بميت مسجّى، فقال: من هذا؟ قال الراهب: قصته مكتوبة عند رأسه.

فدنا داود عليه السلام، فإذا عند رأسه لوح مكتوب فيه: “أنا فلان ابن فلان ملك الأملاك، عشت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وهزمت ألف عسكر، وأحصنت ألف امرأة، وافتضضت ألف عذراء، فبينما أنا في ملكي أتاني ملك الموت فأخرجني مما أنا فيه، أنذا: التراب فراشي والدود جيراني”. تقول الرواية فخرّ داود عليه السلام مغشيًّا عليه من عظمة الموعظة.

وهذا عبد الملك بن مروان، خليفة المسلمين وملك الدنيا في زمانه، يقول عند احتضاره وهو يرى غسالاً يغسل الثياب: “والله وددت أني كنت غسالاً، أعيش يوماً بيوم، ولم أكن إليَّ من هذا الأمر شيئاً”. وندم عند موته قائلاً: “والله وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها، ولم أكن إليَّ من هذا الأمر شيئاً”.

لقد صدق الله العظيم: {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}. أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون؟ وأين الذين كانوا يتجبرون على الخلق ولا يغلبون؟ لقد مزجت لهم كؤوس المنايا فباتوا يتجرعون غصصها، وتركوا وراءهم كل ما جمعوا.

نداء إلى القلوب الغافلة

يا معشر المسلمين، إن الآيات تنادينا بلسان الحال والمقال: {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}. لقد مدوا أيديهم إلى الحرام، وأكثروا من الزلل والآثام، وكم وعظوا بمنثور ومنظوم من الكلام! ولكن سكرة الدنيا كانت أشد. حمل كل منهم في كفن ضيق إلى بيت البلى والعفن، وما صحبهم من قصورهم وأموالهم شيء. ضمهم التراب، وسد عليهم الباب، وتقطعت بهم الأسباب.

أين أموالهم والذخائر؟ أين أصحابهم والعشائر؟ لقد دارت عليهم الدوائر، ففيمَ أنتم تطمعون؟ وفيمَ أنتم تتنافسون؟ إن الدنيا ظل زائل، وحلم خيال، والآخرة هي دار القرار.

يا معشر العاصين، قد بقي من العمر القليل، والأيام تنادي في كل صباح ومساء: قد دنا الرحيل. لقد صاح بكم إلى الهدى الدليل، فهل من سامع؟ وهل من مجيب؟ إن قوله تعالى {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} يجب أن تكون شعاراً لكل من دعت نفسه إلى معصية، أو طغت به النعمة، أو غره طول الأمل.

الخاتمة والدعاء

إن العاقل هو من اتعظ بغيره، واللبيب هو من راقب العواقب قبل الإقدام على المطالب. فاجعلوا من هذه الآيات حادياً لكم في سيركم إلى الله، وتذكروا أن كل لذة محرمة تعقبها حسرة مطولة، وأن كل طاعة صعبة يعقبها روح وريحان وجنة نعيم.

اللهم اجعلنا من عبادك المنيبين المخبتين، ووفقنا لتدبر كتابك حق التدبر، والانتفاع بمواعظه وعبره. اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا. نسألك هداك، وأن تجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهك الكريم، وفي رضاك يا رب العالمين. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *