إدوارد سعيد في وثائقي “بين عالمين”: رحلة المفكر الذي طاردته المخابرات وأنصفه التاريخ

إدوارد سعيد في وثائقي “بين عالمين”: رحلة المفكر الذي طاردته المخابرات وأنصفه التاريخ

صوت الحق الذي لا يغيب

هل يمكن للكلمة أن تقضّ مضاجع القوى الكبرى حتى بعد رحيل قائلها بعقدين؟ يطل علينا إرث المفكر الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد اليوم من خلال فيلم وثائقي جديد بعنوان "بين عالمين" (Edward Said: Between Worlds)، ليؤكد أن أفكاره لم تكن مجرد تنظير أكاديمي، بل كانت نبوءات تقرأ واقعنا المعاصر. في هذا العمل، الذي شاركت فيه ابنته الفنانة نجلاء سعيد كمنتجة استشارية، نجد أنفسنا أمام استحضار مهيب لشخصية صاغت وجدان القضية الفلسطينية في الوعي الغربي، في وقت تعيد فيه الحرب على غزة طرح الأسئلة الوجودية ذاتها التي أفنى سعيد عمره في الإجابة عنها.

إدوارد سعيد: الإنسان خلف قناع الأكاديمي

يأتي فيلم "بين عالمين"، من إخراج مايكن بيرد وإنتاج أليكس غيبني، ليرمم الصورة التي حاول الإعلام الغربي اختزالها لسنوات. توضح نجلاء سعيد أن الفيلم يتجاوز الأطر السياسية الجامدة ليغوص في أعماق "إدوارد" الإنسان، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  • عازف البيانو الرقيق: الفيلم يبرز شغفه بالموسيقى ككاتب وعازف، وكيف كانت الأنغام ملاذه من صخب السياسة.
  • الأب ذو الحس الفكاهي: تكشف التسجيلات المنزلية والأرشيف العائلي عن شخصية جذابة مفعمة بالحيوية والظرف، بعيداً عن صرامة قاعات المحاضرات.
  • أستاذ الأدب المقارن: يستعرض الفيلم مسيرته في جامعة كولومبيا، حيث كان يطوع الأدب لخدمة قضايا التحرر.

ضريبة الموقف: مراقبة الـ FBI وتهديدات القتل

لم تكن حياة صاحب كتاب "الاستشراق" (Orientalism) الصادر عام 1978 مفروشة بالورود، بل كانت صراعاً مستمراً مع أجهزة الرقابة والتهديدات الأمنية. تروي نجلاء تفاصيل تقشعر لها الأبدان عن تلك المرحلة:

  1. المراقبة الفيدرالية: أكدت نجلاء أن والدها كان يعلم تماماً بمراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) له، وهو ما تحول من دعابة طفولية في منزلهم إلى حقيقة مخيفة هددت أمن العائلة.
  2. الاستهداف المباشر: تعرض مكتبه في الجامعة لهجوم بقنبلة حارقة، واضطر للاستعانة بحراس شخصيين جراء تهديدات القتل المتكررة.
  3. الاستنزاف النفسي: وصفت نجلاء مشاركاته التلفزيونية بأنها كانت معارك منهكة، حيث كان يُطالب بالدفاع عن إنسانية الفلسطينيين في وجه خطاب إعلامي متعالٍ يحاول تجريدهم من حقهم في الوجود.

فجوة الرواية وتناقضات المؤسسة الأكاديمية

تنتقد نجلاء سعيد بشدة المشهد الإعلامي الراهن، مشيرة إلى أن زيادة الأصوات المؤيدة لفلسطين لم تمنح الفلسطينيين أنفسهم حق الكلام الكافي. ترى نجلاء أن الإعلام الغربي لا يزال يفضل استضافة "اليسار الإسرائيلي" للحديث نيابة عن الضحايا، وهو ما يكرس غياب الصوت الفلسطيني الأصيل.

وفيما يخص جامعة كولومبيا، عبرت نجلاء عن ألمها من التناقض الصارخ؛ فبينما تحتفي الجامعة بأرشيف والدها في مكتبة "باتلر"، نراها تقمع الاحتجاجات الطلابية المتضامنة مع غزة. هذا الانفصام يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل كانت الجامعة ستدعم حرية إدوارد سعيد الأكاديمية لو كان حياً اليوم؟

التضامن العابر للحدود: من ماكليمور إلى حركة السود

لم يخلُ حديث نجلاء من لمسات الأمل، حيث أشادت بمواقف الفنانين والناشطين الذين أدركوا عمق القضية الفلسطينية. نوهت نجلاء بالنقاط التالية كعلامات فارقة في التضامن المعاصر:

  • موقف ماكليمور: الذي اعتبرته فاهماً لعمق القضية وليس مجرد مؤدٍ لتصريحات عابرة.
  • التحالف مع حركات العدالة العرقية: الربط بين تجربة الفلسطينيين ونضالات حركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter)، مما خلق جبهة عالمية ضد العنصرية.
  • قوة المنصات الرقمية: دور "تيك توك" في إيصال الرواية الفلسطينية للأجيال الشابة، رغم المخاوف من تغير سياسات الملكية وتأثيرها على المحتوى.

خاتمة: إرثٌ لا يطويه النسيان

إن فيلم "إدوارد سعيد: بين عالمين" ليس مجرد توثيق لسيرة ذاتية، بل هو صرخة في وجه التزييف التاريخي. إن تمسك نجلاء سعيد بإيصال صوت والدها في هذا التوقيت بالذات، يعكس إيماناً راسخاً بأن الحقيقة الفلسطينية، مهما حوصرت بأسوار الرقابة أو جُوبهت بعقبات التوزيع السينمائي، ستجد دائماً طريقها إلى القلوب والعقول. يبقى إدوارد سعيد حياً في كل طالب يقرأ تاريخه، وفي كل فنان يرفض الظلم، مؤكداً أن الفكر الحر هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *