مقدمة: حين يطغى البغي وتُستباح المحرمات
في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وتلاطمت فيه أمواج الظلم، تطل علينا مشاريع مشبوهة ودعوات آثمة تهدف إلى شرعنة ما لا يمكن لشرع أو عقل قبوله؛ ألا وهو إعدام الأسرى. إن هذه المشاريع لا تُمثل مجرد انحراف سياسي أو عسكري، بل هي انحرافٌ خطير وعميق عن كافة القيم الإنسانية النبيلة، وتعدٍ سافر على الشرائع الإلهية التي جاءت لحماية النفس البشرية وصون كرامتها في أحلك الظروف. إن بلوغ العدوان والطغيان هذه الذروة من التبجح والمناداة بقتل الأسير الذي أصبح أعزل من سلاحه، هو دليلٌ قاطع على إفلاس أخلاقي وحضاري لا مثيل له.
إنَّ ما يشهده العالم اليوم من محاولات لتقنين الجريمة وصبغها بصبغة القانون هو استهتارٌ بدماء البشر، وتحدٍ لإرادة الخالق سبحانه وتعالى. فكيف يمكن لقلبٍ فيه ذرة من إنسانية أن يشرع لقتل إنسان كُفت يده عن القتال وأصبح في قبضة خصمه؟
الرقابة الإلهية والوعيد للظالمين
إن الظالمين، مهما بلغت قوتهم واستعلوا في الأرض بغير الحق، يظنون أنهم بمنأى عن الحساب، أو أن صمت المجتمع الدولي يمنحهم الضوء الأخضر للاستمرار في غيهم. لكن الحقيقة القرآنية الخالدة تأتي لتقرع أسماعهم وتهز أركان طغيانهم؛ فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
هذه الآية الكريمة ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي دستورٌ رباني يطمئن المظلوم ويهدد الظالم. إن تأخير العقوبة ليس غفلةً من الله -حاشاه- بل هو استدراجٌ وإمهالٌ حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتغور الأبصار من هول ما ترى. إن إعدام الأسرى يدخل في صلب هذا الظلم الذي لا يغفل الله عنه، وسيكون وبالاً على فاعليه في الدنيا قبل الآخرة.
استباحة دماء الأسرى: فسادٌ عظيم في الأرض
نتساءل بكل ألم وحرقة: كيف يُستباح دمُ الأسير؟ وكيف يُهدَّد وجوده وهو الذي كفّ شرّه وأصبح في قبضة من أسره؟ إن الأعراف الدولية قبل الشرائع السماوية تحرم المساس بالأسير، فكيف إذا كان هذا الأسير صاحب حق وقضية؟ إن استهداف الأسرى، والاعتداء على الأبرياء بدم بارد، يمثل أعظم صور الإفساد في الأرض.
لقد بيّن الله سبحانه وتعالى خطورة إزهاق النفس بغير حق، وجعل قتل النفس الواحدة بمثابة إبادة للجنس البشري كله، فقال عز وجل: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
إنَّ من يسعى لشرعنة إعدام الأسرى إنما يفتح باباً من أبواب الجحيم على البشرية، ويؤسس لغابة لا يحكمها إلا القوة العمياء، بعيداً عن موازين العدل والقسط. إن النفس البشرية لها حرمة عند الله تفوق حرمة الكعبة المشرفة، والاعتداء عليها هو اعتداء على مشيئة الله في خلقه.
مسؤولية الأمة الإسلامية: واجب النصرة لا خيار الحياد
إنَّ الأمة الإسلامية اليوم، بكل مكوناتها من شعوب وحكام وعلماء ومثقفين، تقف أمام مسؤوليةٍ شرعية وأخلاقية وتاريخية كبرى. لا يجوز بحال من الأحوال أن تتحول أخبار التنكيل بالأسرى أو مشاريع إعدامهم إلى مجرد خبرٍ عابر يمر كأي خبر عادي في نشرات الأخبار. إن الاعتياد على رؤية الظلم هو نوعٌ من الموت القلبي الذي يجب أن نحذر منه.
إن الواجب المحتم هو نصرة المظلوم بكل ما يُستطاع من قوة؛ بالكلمة، وبالموقف، وبالمساندة المادية والمعنوية، وبالضغط الدولي. وقد وضع لنا النبي ﷺ القاعدة الذهبية في التعامل مع الظلم حين قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً». وعندما استغرب الصحابة رضوان الله عليهم وسألوا: «يا رسول الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يديه» (رواه البخاري).
إن نصرة الأسير المظلوم تكون بالدفاع عنه وفك وثاقه ومنع قتله، ونصرة الظالم تكون بردعه عن ظلمه ومنعه من ارتكاب الجريمة. إن ترك الظالم يرتكب حماقة إعدام الأسرى هو خذلانٌ للمظلوم ومشاركة غير مباشرة في الإثم.
الظلم ظلمات: عواقب البغي في الدنيا والآخرة
يجب أن يعلم كل من تسول له نفسه المساس بالأسرى أن سنن الله في الكون لا تحابي أحداً، وأن الظلم مرتعه وخيم. لقد حذرنا المصطفى ﷺ من عواقب البغي والجور تحذيراً شديداً، فقال ﷺ: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (رواه مسلم).
إن هذه الظلمات ليست معنوية فحسب، بل هي حقيقة سيواجهها كل من استقوى على ضعيف، وكل من استغل سلطته لإزهاق روح أسير لا يملك من أمره شيئاً. إن الظلم يظلم القلوب ويطمس البصائر، ويؤدي بالأمم إلى الهلاك والدمار. وإن التاريخ مليء بالعبر والدروس لأولئك الذين ظنوا أن قوتهم ستحميهم من غضبة الحق، فما أغنت عنهم قوتهم شيئاً.
القدس وغزة: عنوان الكرامة وامتحان الوعي
إنَّ الحديث عن إعدام الأسرى لا ينفصل عن الواقع الأليم الذي تعيشه فلسطين؛ فالقدس والأقصى وغزة ليست مجرد بقع جغرافية، بل هي عنوان كرامة الأمة قاطبة، وهي الميزان الذي يُختبر به وعي الأمة وصدق انتمائها. إن ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تهديدات بالإعدام ومن تنكيل ممنهج هو جزء من حرب شاملة تستهدف الهوية والوجود.
إنَّ سنن التاريخ تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الظلم مهما استطال فإنه إلى زوال، وأن العاقبة دائماً وأبداً تكون للحق وأهله. إن الباطل قد يصول ويجول، لكنه في النهاية يزهق أمام صمود أصحاب الحق. وكما قال الله تعالى محذراً الأمم الظالمة السابقة: {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف: 59].
لقد حدد الله موعداً لهلاك الظالمين، وهذا الموعد آتٍ لا محالة، وإن بدا للبعض بعيداً فهو عند الله قريب. إن الثبات على الحق ونصرة المظلومين في غزة وفلسطين هو السبيل الوحيد لنجاة الأمة واستعادة كرامتها.
الخاتمة: الوعي والنهوض لنصرة الحق
إن المعركة اليوم ليست معركة سلاح فقط، بل هي معركة وعي وقيم. إن محاولات شرعنة إعدام الأسرى يجب أن تُجابه بوعي إسلامي وإنساني شامل يفضح زيف هذه الادعاءات ويكشف قبح وجهها. إن الأمة مطالبة بأن تنهض من غفوتها لتكون قائمة بالقسط، شاهدة بالحق، لا تخشى في الله لومة لائم.
إننا نختم بالدعاء والابتهال إلى الله عز وجل، ونقول كما علمنا ديننا الحنيف: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
اللهم كن لأهل فلسطين ناصراً ومعيناً، واحفظ الأسرى من كل سوء ومكروه، وردّ كيد المعتدين في نحورهم، ووحّد صف الأمة الإسلامية على الحق والهدى، واجعلها أمة قائمة بالقسط، شاهدة بالحق، وارزقها وعياً ينهض بها لنصرة المظلومين في كل مكان، وفك قيد أسرانا وأسير المسلمين في كل بقاع الأرض، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.


اترك تعليقاً