مقدمة: في حفظ الذكر الحكيم
إنّ المتأمل في تاريخ الرسالة المحمدية الخالدة، يدرك أنَّ الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ كتابه العزيز من بين سائر الكتب المنزلة، مصداقاً لقوله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. ومن هذا المنطلق الإيماني، تتوق نفوس الباحثين والمؤمنين على حد سواء لاستكشاف الشواهد المادية التي تجسد هذا الحفظ الإلهي، ولعل البحث عن أقدم نسخة من القرآن الكريم يمثل ذروة هذا الاهتمام العلمي والأثري الذي يربط حاضر الأمة بماضيها المجيد.
شواهد الوحي في برمنجهام وبرديات الفتح
لقد ثار في الآونة الأخيرة جدلٌ علميٌّ واسع النطاق حول اكتشاف نص قرآني نادر، وهو عبارة عن "مخطوطة" ثمينة محفوظة في رحاب مكتبة جامعة برمنجهام. وقد ذهب طائفة من أهل الاختصاص إلى القول بأنه لا يُستبعد أن تكون هذه المخطوطة هي أقدم نسخة من القرآن الكريم دُوّنت في التاريخ، بل إن من الباحثين من رجح أن يكون هذا النص القرآني معاصراً لحياة النبي صلى الله عليه وسلم (570-632م).
ويتعاضد هذا الكشف مع ما عُثر عليه في أرض مصر من كنوز أثرية، حيث أشار بعض الكتاب إلى وجود بردتين عربيتين مؤرختين في عام (22 هـ/ 643 م)؛ إحداهما تعنى بشؤون الجباية، والأخرى تمثل إيصالاً ثنائي اللغة (يوناني– عربي) يتعلق بتوريد أغنام للجيش الإسلامي الفاتح. إن هذه الوثائق، وإن كانت إدارية، إلا أنها تبرهن على نضج التدوين العربي في الصدر الأول من الإسلام، مما يمهد الطريق لفهم سياق تدوين المصاحف الأولى.
مصحف سمرقند: عبق الخلافة الراشدة
بالعودة إلى الأرشيفات التاريخية الرصينة، نجد خبراً جليلاً نشرته مجلة "الإخاء" في عددها الصادر عام (1347هـ/ 1928م)، تحت عنوان: "القرآن الكريم، أقدم نسخة منه بخط الخليفة عثمان رضي الله عنه والنسخة المنقولة عنها في سان بطرسبرج".
وتعود قصة هذه النسخة النفيسة إلى عام 1869م في مدينة سمرقند، حيث اهتدى الباحثون إلى هذا المصحف العريق الذي حُفظ لاحقاً في مكتبة سان بطرسبرج الإمبراطورية. وقد أحضرها الجنرال "كوفمان"، حاكم تركستان العام، ويُروى أنها كانت هديةً من آسيا الصغرى إلى العالم التركستاني الشهير "كوجا"، ثم نُقلت إلى تركستان برعاية الفاتح "تيمورلنك".
تتجلى قيمة هذه المخطوطة في الآتي:
- نسبتها الشريفة: تُعد من أعظم الذخائر الإسلامية لكونها كُتبت بخط ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثالث الخلفاء الراشدين.
- القدم والجلال: جمعت النسخة بين هيبة القدم وجلالة الكاتب، مما جعلها نادرةً لا نظير لها في العالم الإسلامي.
- الشهادة العلمية: أكد الأستاذ "شبوتين"، عضو جمعية الآثار الإمبراطورية الروسية، أن هذه النسخة كُتبت في العهد الأول من الإسلام، ولا يمكن أن تتجاوز القرن الثاني الهجري بأي حال.
مأساة الضياع والنسخة البديلة
لقد شاءت الأقدار أن تندلع الثورة في روسيا عام 1917م، فهرع مسلمو روسيا للمطالبة بهذا المصحف الشريف بوصفهم الأحق بإرثهم الديني، وبالفعل أُرسلت النسخة لتُنقل إلى تركستان. ولكن، ويا للأسف الشديد، ضاعت هذه الجوهرة الفريدة في الطريق ولم يُعرف لها مستقر بعد ذلك، مما خلف غصة في قلوب المقدرين للتراث الإسلامي.
ولم يبقَ للباحثين إلا العزاء في تلك النسخة المتقنة التي استُنسخت عنها بواسطة جمعية الآثار في سان بطرسبرج عام 1904م، والتي حملت تصديق مدير الجمعية، وكُتب عليها بالروسية والفرنسية: "القرآن الكريم من سمرقند، نُقلت عن النسخة الأصلية التي كتبها الخليفة عثمان ثالث الخلفاء بخط يده (644-665م)".
مواصفات النسخة التذكارية النادرة
تم طبع هذه النسخة بعناية فائقة تحاكي الأصل، ومن أبرز سماتها:
- الدقة اللونية: الحفاظ على الألوان الأصلية التي ميزت فواصل الآيات.
- الضخامة: تقع في 353 صحيفة، وبحجم يصل إلى (69×91 سم).
- الوزن والمتانة: يبلغ وزن النسخة الواحدة 18 كيلوجراماً، مع غلاف يجمع بين الرونق البديع والصناعة المتينة.
- الندرة: طُبع منها 50 نسخة فقط، عُرضت 25 منها للبيع بثمن باهظ آنذاك (مائة جنيه للنسخة).
خاتمة: بقاء الوحي وانقطاع الرسم
إن البحث عن أقدم نسخة من القرآن الكريم ليس مجرد شغفٍ بالآثار، بل هو تعبدٌ واستحضارٌ لعظمة هذا الدين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى في الصدور قبل السطور. وإذا كانت بعض المخطوطات قد غابت عن الأبصار، فإن نور القرآن الكريم لا يزال يشرق في كل بقعة من بقاع الأرض، محفوظاً بحفظ الله، محروساً بوعوده الصادقة. فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، واجعله حجة لنا لا علينا يوم العرض عليك، يا رب العالمين.



اترك تعليقاً