مشكاة الوحي ونبراس العقل: نحو رؤية حضارية متجددة
في ظلال جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بالعاصمة الدوحة، وبنفحات فكرية تستشرف آفاق النهوض، انطلقت أعمال الموسم الثقافي الخامس لمشروع «ندوة الأمة»، الذي تنظمه إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية. وقد جاءت الندوة الأولى تحت عنوان رصين: «التأسيس المنهجي للتكامل بين العلم والإيمان في الفكر الإسلامي»، لترسي دعائم التلاحم المصيري بين هداية السماء ومعارف الأرض، مؤكدة أن التكامل بين العلم والإيمان ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية لاستعادة الشهود الحضاري للأمة.
وقد افتتح الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، هذه التظاهرة العلمية بالتأكيد على أن الحضارة الإسلامية لم تقم إلا على التلازم المطلق بين نور الوحي وصحيح العلم؛ فالإيمان هو الباعث الأسمى لطلب المعرفة، والمعرفة هي السبيل الأقوم لترسيخ الإيمان في النفوس.
ثلاثية الاستبصار: البرهان والسنن والتدبر
في المحور الأول، قدم الأستاذ محمد جاسم الجاسم رؤية نقدية عميقة فند فيها مصطلح «التوفيق» أو «التجسير»، معتبراً إياهما نتاج استيراد فكري لثنائية انشطارية نشأت في بيئة غربية صدامية. وأكد أن السؤال الحق ليس في كيفية التوفيق بين ضفتين، بل في كيفية بناء المعرفة من أصلها وفق نموذج قرآني حاكم يتشكل من ثلاثة أركان:
- البرهان: وهو المرشح المعرفي الذي يلزم كل دعوى ببينتها، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، مما يقطع الطريق على الهوى والظن.
- السنن: وهي القوانين الكلية التي تحكم الكون والمجتمع، وبها ينحل لغز الاستقراء الذي عجزت عنه الفلسفات المادية؛ إذ إن الله عز وجل هو الضامن لثبات هذه السنن وتسخيرها للإنسان.
- التدبر: وهو الضابط القيمي والغائي الذي يحمي العلم من التحول إلى «عقل أداتي» مدمر، وينقله من سؤال الإمكان التقني إلى سؤال المشروعية الأخلاقية.
وحذر الجاسم من إخضاع النص القرآني المطلق للنظريات العلمية المتغيرة تحت مسمى «الإعجاز العلمي» المتجاوز للضوابط، داعياً إلى «الاستثمار القرآني» الذي يحترم لسان العرب وظواهر النصوص.
فقه التحضر الطبي: الجسد بين التكريم والتكليف
من جانبه، أصل الأستاذ الدكتور نور الدين الخادمي لمفهوم «فقه التحضر الطبي»، جاعلاً من الجسد الإنساني نقطة الارتكاز بين الحقيقة الطبية والحقيقة الشرعية. فالإنسان في الرؤية الإسلامية مخلوق مكرم، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وهذا الجسد هو وعاء التكليف ومحل المساءلة.
وقد طرح الدكتور الخادمي معالم «أصول الفقه الطبي» بناءً على:
- التوجيه النبوي: المتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم: «تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم».
- التكامل البيني: الذي يجمع بين تشخيص الطبيب للمصلحة الجزئية، وبيان الفقيه للحكم الشرعي، وامتثال المريض التعبدي.
- المقاصد الكلية: وفي مقدمتها حفظ النفس، واعتبار المرض وضعاً عارضاً يناقض الأصل الخلقي الذي هو السلامة والصلاح.
تفكيك الصراع المفتعل ومأسسة التكامل
وفي ختام الندوة، تناول الدكتور إبراهيم الأهدل جذور الانفصال بين العلم والدين، موضحاً أنها أزمة أوروبية تاريخية تولدت من صراع الكنيسة مع العلماء، ولا تمت لجوهر الإسلام بصلة. وفصل الأهدل في نماذج العلاقة بينهما، مؤكداً أن النموذج الإسلامي هو نموذج «التكامل» الذي يرى في العلم خادماً للوحي ومجلياً لعظمة الخالق.
ورسم الأهدل خارطة طريق لاستثمار العلوم الحديثة في الصنعة الفقهية، مع التفريق الحازم بين:
- الثوابت الشرعية: وهي قطعية النص والدلالة التي لا تقبل التغيير بتغير العلوم.
- المتغيرات المعرفية: وهي المساحات التي تتغير بتغير الزمان والعلم، حيث يمثل العلم فيها «تحقيقاً للمناط» وبناءً للتصور الصحيح الذي يبنى عليه الحكم.
إن الخروج من تيه التبعية الفكرية يقتضي امتلاك ناصية هذا التكامل؛ ليكون العلم برهاناً، والكون سنناً، والوحي هداية وتدبراً، وبذلك تستقيم حياة البشرية وتتحقق غاية الاستخلاف في الأرض.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا العلم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً