# الثبات والاستقامة: كيف نحافظ على غراس رمضان طوال العام؟
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مَحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أما بعد، فيا معاشر المؤمنين، اتقوا الله حق التقوى، واشكروه على ما أولاكم من النعم، وأعظمها نعمة التوفيق لإكمال شهر رمضان المبارك. لقد انقضت تلك الأيام الغالية، وطويت صحائفها، ومضى الشهر الكريم وهو شاهدٌ لنا أو علينا؛ شاهدٌ للمحسنين بما قدموا من إحسان، وشاهدٌ على المقصرين بما فرطوا من عصيان. فيا ليت شعري، من هو العبد المقبول في هذا الشهر فنبارك له ونهنيه؟ ومن هو المطرود المحروم فنعزيه؟
الاستقامة: المطلب الأسمى بعد رمضان
إن الغاية الكبرى من الصيام كانت تحقيق التقوى، والتقوى لا تنتهي بانتهاء زمان معين. لذا، فالواجب على كل مسلم أن يستقيم على طاعة الله بعد رمضان، وأن يحافظ على تلك المكاسب الإيمانية التي حصّلها في مدرسة الصيام. إن الرب الذي عبدناه في رمضان، وتذللنا له في السجود، هو رب الشهور كلها، وهو المطلع علينا في كل زمان ومكان.
ما أجمل أن يرى الله منك حسنة تتبعها حسنة، فهذا علامة القبول وموجب الرضا. وما أقبح أن تتبع الحسنة سيئة، فذلك نكران للنعمة وانتكاسة عن الصراط. فلا تفسدوا -يا عباد الله- ما أسلفتموه في شهر الصيام من صالح العمل، ولا تكدروا تلك الأوقات الصافية ولذة المناجاة التي ذقتموها بالعودة إلى الغفلة والمعاصي.
العبادة رحلة لا تنتهي إلا بالموت
اعلموا -ثبتكم الله- أن العبادة في الإسلام ليست مرتبطة بموسم محدد ينتهي بانتهاء الهلال، بل هي وظيفة العمر كله. ليس للعبادة أوان انقطاع إلا حين تفارق الروح الجسد. وفي هذا المعنى الجليل، يقول الإمام الحسن البصري -رحمه الله-: “إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ”، ثم استدل بقول الله تبارك وتعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.
لقد رأينا بالأمس القريب المساجد وهي تزدحم بالركع السجود، رأينا الدموع تنهمر، والأكف ترفع بالتضرع للملك المعبود، يرجون فضله ويؤملون مغفرته. فهل يليق بالمؤمن بعد هذا الإقبال أن يعرض عن ذكر ربه؟ وهل يليق بمن ذاق حلاوة الطاعة أن يعود إلى مرارة المعصية؟ بل الواجب هو مقابلة نعم الله بالشكر والمداومة على الطاعة، وسؤاله الثبات حتى الممات.
دستور الاستقامة في حياتنا
اجعلوا الاستقامة شعاركم الدائم، واجعلوا مرضاة الله هي الغاية التي تطلبونها في كل شأن من شؤونكم، مقتدين بقوله تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. إن الاستقامة تتطلب من العبد يقظة دائمة، ومجاهدة مستمرة للنفس، لئلا تزل القدم بعد ثبوتها.
ومن أهم ركائز الاستقامة بعد رمضان:
- المحافظة على الفرائض: وعلى رأسها الصلاة، فهي عماد الدين والصلة بين العبد وربه.
- المداومة على النوافل: لتجبر ما قد يقع في الفرائض من نقص.
- صحبة الأخيار: الذين يعينونك على طاعة الله ويذكرونك إذا نسيت.
- تلاوة القرآن: ليبقى قلبك رطباً بذكر الله كما كان في رمضان.
صيام الست من شوال: برهان المحبة
إن من علامات متابعة الإحسان بعد رمضان، صيام ستة أيام من شهر شوال. لقد ندبكم نبيكم الكريم ﷺ إليها ورغبكم في فضلها بقوله: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (رواه مسلم). فاحرصوا على هذه السنة العظيمة، لتبرهنوا على صدق محبتكم للطاعة ورغبتكم في الاستمرار في درب الصالحين.
نداء إلى كل مسلم
أخي المسلم، لقد كنت في رمضان صواماً بالنهار، قواماً بالليل، تالياً للقرآن، وجوارحك منقادة في طاعة الملك الديان. فلا تنقلب على عقبيك فتكون من حزب الشيطان والعياذ بالله. احذر من ترك الصلاة، فهي النور والنجاة، حافظ عليها في جماعة، وخذ حظك من نوافلها، لتكون من الفائزين المفلحين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وللسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
—
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد؛ فاتقوا الله -عباد الله-، وحافظوا على أعمالكم وكنوزكم التي ادخرتموها لآخرتكم. إن أعظم الخسران أن يتعب الإنسان في جمع الحسنات ثم يضيعها بيده.
التحذير من نقض الغزل
يقول الله تبارك وتعالى محذراً من إبطال العمل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. ويقول سبحانه واصفاً حال من يرجع عن عهده مع الله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}. فلا تكونوا كالتي تعبت في غزل ثوبها حتى إذا أحكمته وأتمته، عادت فنقضته خيطاً خيطاً.
إن الثبات على العمل الصالح هو دليل الإخلاص، وهو السبيل الوحيد لحسن الخاتمة. نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الدعاء والابتهال
اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة، وعن سائر الصحب الكرام، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله: اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.


اترك تعليقاً