الحج المبرور: رحلة الروح التي لا تنتهي وآفاق القبول الشرعي

الحج المبرور: رحلة الروح التي لا تنتهي وآفاق القبول الشرعي

الحج المبرور: رحلة الروح التي لا تنتهي وآفاق القبول

إنّ الحجّ ليس مجرد شعيرة تُؤدّى في برهة من الدهر ثم تنقضي، بل هو في حقيقته الحج المبرور الذي يمثل رحلة سرمدية في وجدان المؤمن، تستمر آثارها وتتجلى أنوارها في سلوكه بعد العودة من تلك البقاع الطاهرة. إنّ غاية القاصد لبيت الله الحرام هي نيل القبول، والقبول في ميزان الشرع لا يتحقق إلا باجتماع ركنين ركينين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والموافقة لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:
{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف 18:110).

فالاستقامة في العمل، وتجريد التوحيد لله عز وجل، هما معيار العبادة الحقّة، والحج في هذا لا يشذّ عن القاعدة الإلهية؛ إذ يتطلب شروطاً تسبق المسير، وأخلاقاً تصاحب المناسك، واستقامةً تتبع الإياب.

مقومات القبول: طيب المأكل وإخلاص النية

إن أولى عتبات القبول تبدأ من طهارة المال ونقاء المورد، فالله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. وفي هذا السياق، ورد في الحديث الشريف:
«إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}».

ويحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من مغبة الغفلة عن هذا الأصل الأصيل، فيذكر:
«الرجلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟» (رواه مسلم).

فمن رام الحج المبرور، وجب عليه أن يتحرى الحلال في نفقته وكسوته، ليكون دعاؤه مسموعاً وعمله مرفوعاً.

الاتباع لا الابتداع: الحج على هدي النبوة

إن كمال العبادة في اتباع أثر النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله الصريح:
«لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (رواه مسلم).

وهذا الاتباع هو الضمانة لصحة المناسك ونيل المغفرة. وقد بلغ من حرص الصحابة على هذه الشعيرة أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«يا رسولَ اللهِ، إنِّي اكتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وكَذَا، وانْطَلَقَتِ امْرَأَتي حَاجَّةً»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ».

تعظيم الشعائر وأدب النسك

لقد لخص القرآن الكريم جملة من الآداب والأحكام التي تضبط سلوك الحاج، وتسمو بروحه في تلك المشاعر المقدسة، حيث قال عز وجل:
{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج 22:30-33).

وفي موضع آخر، يرسم القرآن المنهج السلوكي للحاج:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة 2:197).

دروس مستفادة من آداب الحج:

  • حفظ اللسان: بالابتعاد عن لغو القول، والمراء، والجدال العقيم.
  • الصبر والاحتساب: في مواجهة مشاق السفر والزحام، وتجنب أذية الآخرين.
  • تعظيم الحرم: فالمعصية في الحرم ليست كغيرها، لقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْهَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج 22:25).

وقد كان السلف الصالح يرتعدون فرقاً من هذا الوعيد؛ فها هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قيل إنه كان إذا أراد معاتبة أهله خرج من حدود الحرم، امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْهَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

الخاتمة: ثمرة الرحلة الخالدة

حين يطوي الحاج مناسكه، متدثراً برداء التقوى، متبعاً لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، مخلصاً وجهه لله وحده، فإنه يعود بكنز لا يفنى. إن الحج رحلة لا تنتهي؛ لأن أثرها يظل محفوراً في الروح، ودافعاً للاستقامة مدى الحياة. وما أعظم الجائزة التي وعد بها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين قال:
«مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

فاللهم اجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، واجعلنا ممن عادوا من بيتك الحرام بقلوب طاهرة ونفوس مطمئنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *