استهلال: في البدء كانت القوة
إنَّ العنايةَ بالبدنِ مَطلبٌ شَرعيٌّ، ومقصدٌ مرعيٌّ؛ فالمؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ. لقد عَرَفت البشريةُ الرياضة في المنظور الإسلامي وفي الحضاراتِ الغابرةِ كنشاطٍ فطريٍّ يَرومُ تقويةَ الأجسادِ، وصَقْلَ المهاراتِ القتاليةِ للذَّودِ عن الحِياضِ، أو لمجردِ الاستجمامِ المباحِ الذي يُعيدُ للنفسِ نَشاطَها.
تحولات المفهوم: من القيمة إلى السلعة
بيدَ أنَّ المشهدَ الرياضيَّ المعاصرَ قد استحالَ إلى «صناعةٍ» كبرى وتجارةٍ عابرةٍ للقاراتِ، حيثُ تُضخُّ فيها الملياراتُ من ميزانياتِ الدولِ، وتُشيَّدُ لها القلاعُ الرياضيةُ المتخصصةُ. لقد تحوَّلت الرياضةُ من ممارسةٍ بدنيةٍ إلى مَوردٍ استثماريٍّ ضخمٍ، تَتسابقُ القنواتُ الفضائيةُ لاحتكارِ بَثِّه، مما أخرجَها في كثيرٍ من الأحيانِ عن سياقِها التربويِّ إلى سياقٍ ماديٍّ بَحْتٍ، قد يطغى على الأولوياتِ التنمويةِ والخدماتِ العامةِ الضروريةِ للشعوبِ.
معضلات فقهية وأخلاقية في الميدان
تَبرزُ في الأفقِ جملةٌ من الإشكالاتِ التي تستوجبُ وقفةً فقهيةً رصينةً:
- العنف المفرط: إنَّ الرياضاتِ التي تقومُ على إيذاءِ النفسِ أو الغيرِ، كالملاكمةِ العنيفةِ التي قد تُفضي إلى العاهاتِ أو الوفاةِ، تَصطدمُ بالمقاصدِ الشرعيةِ الداعيةِ لحفظِ النفسِ.
- امتهان الحيوان: إنَّ اتخاذَ الأرواحِ -من أسودٍ وثيرانٍ- غرضاً للمصارعةِ والعبثِ هو مَسلكٌ يأباهُ الرفقُ الإسلاميُّ.
- الطقوس والرموز: تثيرُ بعضُ الرياضاتِ الوافدةِ، كالكاراتيه، تساؤلاتٍ حولَ طقوسِ الانحناءِ وأصولِها العقديةِ. وهنا يبرزُ دورُ الاجتهادِ المعاصرِ؛ فمن الفقهاءِ من نَظرَ إلى «الصورةِ الحاليةِ» كرياضةٍ مجردةٍ فأباحَها، ومنهم من غاصَ في «الأصولِ التاريخيةِ» فاحتاطَ في حكمِه.
رياضة المرأة: بين الانضباط الشرعي ودعوات التغريب
لقد أقرَّ الإسلامُ حقَّ المرأةِ في ممارسةِ الرياضةِ بما يحفظُ صحتَها ونشاطَها، ولم يكن مَنعاً لها يوماً، بل كانَ صيانةً لكرامتِها. إلا أنَّ ما نَشهدهُ اليومَ من دَعواتِ «المساواةِ المطلقةِ» قد زجَّ بالمرأةِ في حلباتِ المصارعةِ والملاكمةِ، وأجبرَها على كشفِ العوراتِ في مَسابقاتِ السباحةِ وغيرها، مما يُصادمُ فِطرتَها التي جبلَها اللهُ عليها من جمالٍ وأنوثةٍ، ويُخرجُها عن هَدْي الشريعةِ الغرَّاء.
إنَّ الاجتهادَ الفقهيَّ السليمَ يؤكدُ على:
- حقِّ المرأةِ في الرياضةِ ضمنَ ضوابطِ الحشمةِ والسترِ.
- توفيرِ بيئاتٍ رياضيةٍ خاصةٍ تَحفظُ للمرأةِ خصوصيتَها.
- البُعدِ عن الرياضاتِ التي تُنافي طبيعةَ التكوينِ الأنثويِّ.
فقه المآلات: المال، الاحتراف، والتعصب
تَطرحُ الرياضة في المنظور الإسلامي المعاصرِ تساؤلاتٍ عميقةً حولَ «الاحترافِ»؛ فهل يَجوزُ أن يتقاضى اللاعبُ أجوراً خياليةً تفوقُ أجورَ العلماءِ والوزراءِ؟ وهل تُعدُّ عقودُ بيعِ وشراءِ اللاعبينَ نوعاً من «الرقِّ المعاصرِ» أو المغالاةِ المذمومةِ في تقديرِ القيمِ؟
كما لا يمكنُ إغفالُ الآفاتِ الاجتماعيةِ المرتبطةِ بالرياضةِ، مثل:
- القمار والمراهنات: التي استشرت بين الجماهيرِ حولَ نتائجِ المبارياتِ.
- التعصب المقيت: وما يصاحبُه من بذاءةِ اللسانِ، والسبِّ، والاعتداءِ، مما يُمزقُ نسيجَ الأمةِ.
- المواقف الدولية: حيثُ تبرزُ قضيةُ المشاركةِ مع دولٍ محتلةٍ، وما يترتبُ عليها من مواقفَ تُعدُّ نوعاً من «الجهادِ الرياضيِّ» عبرَ المقاطعةِ.
الخاتمة: نحو رؤيةٍ بدنيةٍ راشدة
خِتاماً، إنَّ الهدفَ الأسمى من الرياضةِ ليسَ البقاءَ في مَقاعدِ المتفرجينَ نُهدرُ الأوقاتَ والأموالَ، بل هو الممارسةُ الفعليةُ التي تُقوِّي البدنَ وتُهذِّبُ الروحَ. فليكن سعيُنا نحو إيجادِ مرافقَ رياضيةٍ عامةٍ تُمكِّنُ المسلمَ من الحفاظِ على أمانةِ جَسدِه، ليكونَ قادراً على عمارةِ الأرضِ وعبادةِ الخالقِ سبحانه وتعالى على بصيرةٍ وقوةٍ. اللهمَّ آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنتَ خيرُ من زكاها.



اترك تعليقاً