الشيخ مازن المبارك: قرنٌ من الزمان في سدانة لغة القرآن وحراسة البيان
قال تعالى سبحانه وتعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } (الأحزاب: 23). حقاً إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل، وإنا على فراقك يا شيخنا مازن المبارك لمحزونون.
لقد فجعت الأمة العربية والإسلامية برحيل عَلَمٍ من أعلامها السوامق، وجهبذٍ من جَهابذة العربية الذين نذروا حياتهم لخدمة لسان الضاد. عاش الفقيد قرناً من الزمان، لم يكن فيه مجرد عابر سبيل، بل كان مرابطاً في ثغور اللغة، يغوص في دررها، ويصنف في فنونها، ويذود عن حياضها بكل ما أوتي من بيانٍ ساحر وحجةٍ دامغة، باثّاً حب العربية في القلوب، ورافعاً لواءها في كل محفل ومنبر.
أرومة شريفة ومعدن طيب
لقد جمع الله عز وجل لشيخنا المبارك المجد من أطرافه؛ فكان شريف النسب، رفيع الأدب، غزير العلم. أما نسبه، فحسبه فخراً أنه ينتمي إلى دوحة الأشراف من سلالة سيد البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو سيد شريف من آل البيت الكرام.
وقد اقترن شرف النسب برحم العلم الموصول؛ فنهل من معين والده العلامة اللغوي الشيخ عبد القادر المبارك، أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، واقتفى أثر أخيه الأكبر الدكتور محمد المبارك، عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق وواحد زمانه علماً وعملاً، مستنداً إلى إرث جده الأديب البارع الشيخ محمد المبارك.
رحلة العلم: من فيحاء الشام إلى كنانة مصر
لم يكتفِ الشيخ مازن المبارك بما ورثه من علمٍ في بيته، بل طاف في طلب المعالي، فتتلمذ على يد أكابر أرباب الفصاحة في الشام، أمثال شاعر الشام محمد البزم، وشيخ النحاة سعيد الأفغاني، والأديب شفيق جبري، والعلامة بهجة البيطار. ثم ارتحل إلى مصر الكنانة، فصحب فيها عمالقة الأدب، وعلى رأسهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والدكتور شوقي ضيف، واستقى من مجالس شيخ العربية الأجل أبي فهر محمود محمد شاكر.
عاد الشيخ إلى دمشق ليصبح ركناً ركيناً في جامعتها، مدرساً للنحو والصرف والبلاغة، ثم طاف بالبلاد العربية ناشراً علمه في:
- جامعة الملك عبد العزيز بالرياض.
- الجامعة اللبنانية ببيروت.
- جامعة قطر (رئيساً لقسم اللغة العربية).
- معهد اللغة العربية بالجزائر وكلية الدعوة بليبيا.
- كلية الدراسات العربية والإسلامية بدبي.
سادن العربية في مجمع الخالدين
توجت رحلة العطاء بانتخابه عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 2010م، وهو الحدث الذي استبشر به المحبون خيراً، آملين أن يستعيد المجمع بوجوده نضارة الأيام الخوالي التي عاشها في ظل والده والتنوخي وكرد علي. لقد كان الفقيد أمة في رجل، لا يترك باباً لخدمة العربية إلا ولجه، مجاهداً في سبيلها حق الجهاد، معتبراً إياها قضيته الوجودية التي يحيا بها ولأجلها.
دروس مستفادة من سيرة العلامة مازن المبارك
إن سيرة الشيخ الراحل تمنحنا دروساً إيمانية وفكرية عميقة، منها:
- اللغة والنسب: اللغة هي هوية الأمة، وكما قال رحمه الله: "اللغة صفة الأمة في الفرد، وآية الانتساب إلى القوم، فمن أضاع لغته فقد تاه عن أمته".
- الإخلاص في الطلب: التواضع للعلماء والرحلة في طلب العلم هما مفتاح السيادة العلمية.
- الجمع بين الأصالة والمعاصرة: قدرته على مخاطبة المتخصصين ببحوثه الرصينة، وعموم القراء بأسلوبه السلس الجميل كما في كتابه "نحو وعي لغوي".
- البر باللغة: الذود عن العربية هو نوع من أنواع الرباط، وحمايتها حماية للقرآن الكريم.
الخاتمة: وداع الفارس
لقد كان حديث الشيخ مازن المبارك سحراً حلالاً، يملأ العين جمالاً والأذن بياناً، وصدق فيه قول البحتري في وصف البلاغة، فكان لا يخرج من حُسنٍ إلا إلى ما هو أحسن منه.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتغمد فقيدنا بواسع رحمته، وأن يعلي في الجنان مقامه، وأن يكتب له بكل حرف علّمه أو سطره أجر المجاهدين في سبيله وفي سبيل لغة قرآنه الكريم. اللهم أخلف على الأمة خيراً في مصابها، وأجزل مثوبته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



اترك تعليقاً