الظلم الاجتماعي الخفي: صور مرعبة وعواقب وخيمة في الدنيا والآخرة

# الظلم الاجتماعي: الداء العضال والصور الخفية التي تهدد بنيان المجتمع

الحمد لله رب العالمين، القائم بالقسط، المحذر من الظلم، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والعدل، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، أما بعد:

لقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بمنظومة أخلاقية وتشريعية متكاملة، تهدف في مقامها الأول إلى إقامة العدل وصيانة الحقوق، وقد حذر الشارع الحكيم من الظلم ونهى عنه أشد النهي في نصوص قطعية الدلالة، تهتز لها القلوب الحية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» [رواه مسلم]. وفي الحديث القدسي العظيم، ينادينا رب العزة والجلال بقوله: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».

إن الظلم ليس مجرد كلمة تقال، بل هو دمار للديار، وخراب للنفوس، وعاقبته وخيمة في العاجل والآجل. والظلم له صور شتى في واقع الناس، وعقوبته بالغة الأثر قد يعجلها الله لعبده في الدنيا لتكون نكالاً، وقد يؤخرها ليوم تشخص فيه الأبصار. والظالم، وإن غلف حياته بمظاهر الفرح والسرور، فإنه يعيش في عذاب نفسي داخلي، وقلق دائم يطارده شؤم فعله، ولا يزال ضميره يلاحقه ويؤنبه ولو بعد فوات السنين، ولا يُمكّن من التوبة والإنابة غالباً إلا بعد ذهاب أهل الحقوق وتفرقهم، مما يجعل الحسرة والندامة هي الختام المر لقصته.

مفهوم الظلم الاجتماعي الخفي

كثير من الناس حين يسمع الحديث عن الظلم، ينصرف ذهنه مباشرة إلى الظلم الحسي الظاهر، مثل التعدي على الأموال بالسرقة، أو سفك الدماء، أو انتهاك الأعراض. وهذه بلا شك موبقات تنفر منها الطباع السليمة ويعرفها الجاهل والعالم. ولكن، ثمة نوعاً خفياً من الظلم يتساهل فيه كثير من الناس، بل ويخفى أمره حتى على بعض الصالحين، وينتشر للأسف في بعض البيئات المحافظة، ألا وهو “الظلم الاجتماعي”.

ونعني بالظلم الاجتماعي ذلك الظلم المعنوي الذي يصدر من بعض أفراد المجتمع تجاه الآخرين في التعامل اليومي، من خلال الانحياز عنهم، وتفضيل غيرهم عليهم بلا وجه حق، أو عدم تحقيق العدل والمساواة معهم، أو الإساءة إليهم معنوياً وتهميشهم. وهذا الظلم يتخذ صوراً متعددة ومؤلمة داخل النسيج الأسري والاجتماعي.

أولاً: ميل الوالد لبعض ولده (التفريق بين الأبناء)

من أقسى صور الظلم الاجتماعي أن يميل الوالد لبعض أولاده ويفضله على سائر إخوته، سواء كان ذلك في العطية المادية، أو حتى في الأمور المعنوية كالقبلة، والثناء، والذكر، والمدح. هذا التعامل الجائر الذي يتخذه البعض عادة، يولد في نفوس الأبناء بذور العداوة والبغضاء، وينشب بينهم نار الحسد والبغي، مما يفكك الأسرة من داخلها.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك كما في حديث النعمان بن بشير قال: «أتى بي أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال الرسول: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا! قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. فرجع أبي فرد تلك الصدقة» [متفق عليه]. إن العدل بين الأبناء فريضة شرعية وضرورة تربوية، ولا يعفى من ذلك إلا ما وقع طارئاً في مناسبة عارضة لا يقصد بها التفضيل الدائم.

ثانياً: جفاء الإخوة وتهميش الرحم

تتجلى صورة أخرى من صور الظلم الاجتماعي في جفاء الإخوة لأحد إخوانهم، وترك ما يجب تجاهه من التكريم والسؤال. فتراهم لا يدعونه في المناسبات، ولا يستشيرونه في الملمات، بل يتعمدون إقصاءه وعدم إخباره بما يستجد من أفراح أو أحزان. والأدهى من ذلك أنهم قد يبذلون البر والصلة والإحسان لغيره من الأباعد، بينما يتركون أخاهم الذي هو أولى الناس ببرهم.

هذا السلوك يجعل الأخ يشعر بالغربة وسط أهله، وبأنه لا تربطه بهم رابطة الرحم، مما يورث جرحاً غائراً في النفس لا تندمل آثاره بسهولة، وهو نوع من قطيعة الرحم المغلفة بقالب من التجاهل الاجتماعي.

ثالثاً: ظلم أم الزوج للزوجة (الصراع الأسري)

من الصور الشائعة والمؤسفة في مجتمعاتنا، ظلم أم الزوج للزوجة. ويتمثل ذلك في الجفاء، وعدم الثناء على مجهوداتها، وإنكار معروفها، وانتقاصها والتهجم عليها في مجامع النساء كلما سنحت الفرصة. وأشد من ذلك أن تسعى الأم لتزهيد ابنها في زوجته، وإفساد العلاقة بينهما، وربما وصل الأمر إلى أمره بطلاقها دون سبب شرعي معتبر.

إن الباعث على هذا السلوك غالباً ما يكون الغيرة الشديدة، أو عدم المحبة الفطرية، وهو سلوك يتنافى مع مقتضيات الإيمان والخلق الكريم. ويصدق هذا أيضاً في صورة مقابلة، وهي ظلم أم الزوجة لزوج ابنتها، وكلاهما ظلم يأباه الشرع.

رابعاً: جفاء الزوجة لأم زوجها

في المقابل، نجد صورة أخرى من الظلم الاجتماعي تتمثل في جفاء الزوجة لأم زوجها، والتقصير في السؤال عنها، بل وتزهيد زوجها في أمه وأهله. وقد تبالغ الزوجة في عدم احتمال هفوات الأم اليسيرة، وتتطاول عليها بالقول أو الفعل، وتنكر على الزوج بذل ماله أو وقته لأمه، بينما تبالغ هي في بذل كل شيء لأهلها.

إن الاعتدال مطلوب، والواجب على الزوجة أن تعين زوجها على بر أمه، لا أن تكون سداً منيعاً بينه وبين جنته، فإن تربية الأبناء على كراهية أهل والدهم هو نوع من الظلم المتعدي الذي يفسد الأجيال القادمة.

العدل هو الميزان

إن الواجب على كل مسلم أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، وأن يقف مع نفسه وقفة صدق في ختام كل ليلة، يتأمل في تعاملاته مع أقاربه، وجيرانه، وزملائه. يجب أن ندرك أن حبنا لأحد لا يقتضي الغلو فيه وترك نصحه، كما أن بغضنا أو عدم ارتياحنا لشخص لا يسوغ لنا ظلمه أو بخسه حقوقه.

هذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}، وقال سبحانه: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصية جامعة: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» [رواه الترمذي].

المسؤولية الجماعية وعلاج الظلم

إن المتأمل في حالات العقوق والقطيعة يجد أن السبب الأكبر هو حصول الظلم ابتداءً واستمراره دون معالجة. وهنا تبرز مسؤولية المجتمع؛ فكل من شارك الظالم في ظلمه بسكوته أو تأييده المعنوية فهو مؤاخذ شرعاً. الواجب هو نصرة المظلوم ونصح الظالم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».

ومما يندى له الجبين أننا في كثير من الأحيان نفقد الناصح الأمين، ويكثر فينا النمامون والساعون في قطع حبال الوصال. كما أن كثيراً من الوعاظ يوجهون خطابهم للمظلوم فقط بالصبر، ويغفلون عن زجر الظالم وردعه، بينما الأصل هو كف يد الظالم وتهديده بعقاب الله حتى يستقيم الأمر وتعود الحقوق لأصحابها.

إن الظلم الاجتماعي هو نار تأكل الحسنات وتدمر الأسر، فليتق الله كل امرئ في رعيته وفيمن حوله، وليعلم أن الموعد القيامة، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وخلق قويم، وعدل مستقيم.

نسأل الله أن يطهر قلوبنا من الظلم، وأن يجعلنا من المقسطين الذين يحبهم الله.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *