# العقيدة أولاً: من أين نبدأ رحلة الإصلاح والالتزام؟
في خضم التحولات المتسارعة التي يعيشها عالمنا المعاصر، ومع اشتداد ما يمكن وصفه بـ “حمى التعري” التي اجتاحت المجتمعات، بما فيها مجتمعاتنا الإسلامية، تبرز تساؤلات جوهرية حول ماهية الالتزام الحقيقي وكيفية البدء في طريق الصلاح. إننا نرى اليوم ظاهرة تستحق التأمل والتحليل، وهي تركيز بعض الأخوات الفاضلات على جانب واحد من جوانب الدين، وهو ارتداء اللباس الشرعي، مع إغفال جوانب أخرى لا تقل أهمية، بل هي الأصل والأساس.
إن هذا المقال يسعى لتسليط الضوء على قضية مفصلية في العمل الدعوي والتربوي، وهي ضرورة شمولية الالتزام، والبدء من حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم، لضمان بناء شخصية مسلمة متزنة تعكس جوهر الإسلام وحقيقته.
معضلة الاختزال وضيق الأفق الدعوي
إن حصر مفهوم الصلاح والتقوى في مجرد ارتداء اللباس الشرعي، رغم عظم قدره ووجوبه، يعد قصوراً واضحاً في فهم طبيعة هذا الدين العظيم. فالإسلام ليس مجرد مظاهر خارجية تُرتدى، بل هو منظومة متكاملة من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات. عندما نختزل الصلاح في “قطعة قماش” دون الالتفات إلى ما تحتها من قلب وعقل، فإننا نوجد ثغرة كبيرة في جدار الدعوة الإسلامية.
هذا الاختزال يؤدي إلى مشاكل عميقة؛ فالدين كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ولا يجوز شرعاً ولا عقلاً التركيز على ركن دون ركن، أو الاهتمام بأصل من الأصول مع إهمال بقية الأصول. إن المسلمة التي تلتزم بالحجاب لكنها تغفل عن بقية الأوامر والنواهي، تضع نفسها وتضع صورة الحجاب في مأزق أمام المجتمع.
المنهج النبوي: ثلاث عشرة سنة من البناء العقدي
إذا أردنا أن نعرف من أين نبدأ، فعلينا أن ننظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. لقد استغرق نبينا الكريم ثلاث عشرة سنة كاملة في مكة المكرمة وهو يغرس في نفوس أتباعه شيئاً واحداً: العقيدة الصحيحة. لم تكن هناك تكاليف تفصيلية كثيرة في البداية، بل كان التركيز منصباً على بناء الركيزة الصلبة التي ستحمل فيما بعد صرح التشريعات العظيم.
لماذا العقيدة أولاً؟ لأن النفوس والقلوب والعقول إذا تمهدت واستوعبت حقيقة التوحيد وعظمة الخالق، أصبحت مستعدة تماماً لاستيعاب منظومة التكاليف كاملة. إن العقيدة هي المحرك، وهي التي تجعل المسلمة تقبل على الطاعة بحب وشوق، لا بضغط اجتماعي أو مجرد مظهر خارجي. إنها العقيدة التي تجعل من التكاليف الشرعية مدعاة لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، وليست عبئاً ثقيلاً يُراد التخلص منه.
الحرب على العقيدة وضرورة الوعي
نحن نعيش اليوم في ظل حرب ضروس تستهدف هدم العقيدة في نفوس المسلمين. هذه الهجمات الممنهجة على الإسلام وأتباعه المخلصين تتطلب نوعاً خاصاً من الدعوة، دعوة تركز على الجوهر وتعيد ربط الناس بخالقهم. إن العقيدة الراسخة هي الحصن المنيع الذي يحمي الفتاة المسلمة من الانجراف وراء دعوات التحلل والتعري.
عندما تترسخ العقيدة، يصبح تلبية نداء الله أمراً بديهياً. فسواء كان الأمر يتعلق بالالتزام باللباس الشرعي، أو بأداء الصلوات، أو بترك المحرمات بمختلف أنواعها، فإن الاستجابة تنبع من الداخل. الأمر يبدأ بالقلب أولاً، ثم ينتقل بالتبعية إلى الجوارح. فإذا صلح القلب بالتوحيد والإخلاص، استقامت الجوارح على منهج الله سبحانه وتعالى.
الحجاب: بين الواجب الشرعي وحماية الجوهر
حديثنا عن أولوية العقيدة لا يعني أبداً التقليل من شأن الحجاب أو إغفال أمره في حق الفتاة المسلمة. فالحجاب فريضة لا تقبل الجدل، وهو من أعظم القربات إلى الله. يجب على الفتاة أن تربأ بنفسها عن أن تكون مصدر فتنة، وأن تتعود على العفة والستر منذ نعومة أظفارها.
إن طاعة المسلمة لربها في أمر الحجاب هي جزء أصيل من عقيدتها، فمن مقتضيات العقيدة الصحيحة أن يكون العبد مطيعاً مستسلماً لأوامر خالقه. وكلما كان الإنسان ممتثلاً لمنهج الله في مظهره ومخبره، كان أقدر على إقناع من حوله بجمال هذا الدين وعظمته.
فتنة التناقض: عندما يسيء المظهر للجوهر
من المؤسف حقاً أن نرى بعض الأخوات يلتزمن باللباس الشرعي مع إغفال تام للأوامر والأخلاق الأخرى. هذا التناقض يتسبب في فتنة لآخريات، حيث يُنظر إلى الحجاب على أنه مجرد قناع أو مظهر لا يعبر عن جوهر حقيقي. وهذا ما يفتح الباب لانتشار عبارات مؤلمة تزعم أن “المحجبات مقصرات في كثير من الأمور الأساسية”.
ورغم أن هذا التعميم يعد آفة من آفات الجهل، ولا يجوز شرعاً أن نُحمل الحجاب أخطاء بعض المحجبات، إلا أن الواجب على كل أخت محجبة أن تكون قدوة حسنة. إن على المرء دائماً أن ينتقي أفضل الخصال ويدع سيئها، ففي نهاية المطاف، كل إنسان سيحاسب على عمله هو، لا على أعمال الآخرين.
تكامل الشخصية المسلمة: خطوات نحو الانطلاق الصحيح
لبناء هذه الشخصية المتكاملة، يجب اتباع الخطوات التالية:
1. تصحيح العقيدة: البدء بتعلم أصول التوحيد وفهم أسماء الله وصفاته، ليكون العمل خالصاً لوجهه الكريم.
2. إصلاح الباطن: العمل الدؤوب على تزكية النفس وتطهير القلب من الرياء والكبر وسوء الأخلاق.
3. الالتزام الظاهر: أن يكون الحجاب واللباس الشرعي تعبيراً صادقاً عما وقر في القلب من إيمان.
4. الشمولية في الطاعة: عدم انتقاء ما يوافق الهوى من الدين وترك ما سواه، بل الدخول في السلم كافة.
5. القدوة الحسنة: أن يكون السلوك العملي للمسلمة خير دعوة للحجاب ولدين الله.
الخاتمة: نحو سعادة الدارين
إن العودة إلى المنهج النبوي في الدعوة والالتزام هي المخرج الوحيد من حالة التخبط التي نعيشها. إننا بحاجة إلى جيل من الأخوات يجمع بين الحجاب الشرعي الساتر وبين القلب العامر بالإيمان والعقيدة الصحيحة.
عندما نجعل العقيدة هي المنطلق، سيتحول الحجاب من مجرد عادة أو مظهر إلى عبادة جليلة، وسينعكس ذلك نوراً في الوجه، وحلاوة في اللسان، واستقامة في السلوك. هكذا نحمي أنفسنا من فتن الزمان، وهكذا نكون دعاة إلى الله بلسان الحال قبل لسان المقال، محققين بذلك وعد الله بالسعادة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.


اترك تعليقاً