مقدمة: الفقه الإسلامي في مهب القراءات الغربية
لم يعد حضور الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية مجرد استذكارٍ هامشي في مدونات الاستشراق الكلاسيكي، بل أضحى حقلاً أكاديمياً فسيحاً تتقاطع فيه مسارات التاريخ والقانون، وتتجاذب فيه أسئلة السلطة والمعرفة. إن هذا الحضور يضعنا أمام سؤالٍ وجودي ومعرفيٍّ عميق: كيف يقرأ الغرب تراثنا الفقهي؟ وهل يكفي أن نواجه تلك القراءات بالرفض المطلق، أم أن فريضة الوقت تقتضي اشتباكاً علمياً ناقداً، يستوعب الأدوات الأكاديمية الحديثة دون أن يذوب في مقدماتها، ودون أن يفرط في خصوصية الفقه ومرجعياته الربانية؟
في رحاب كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وبالتعاون مع مركز نهوض للدراسات والبحوث، انعقدت ندوة علمية رفيعة بعنوان: “الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية: مقاربة نقدية”، شارك فيها ثلة من الباحثين الراسخين، ليرسموا معالم رؤية نقدية تتجاوز السطح لتغوص في أعماق المنهج والهوية.
تاريخ الأفكار: الفقه بوصفه كائناً حياً
افتتح الأستاذ الدكتور عبد القادر جدي المداولات بورقة رصينة حول "منهج تاريخ الأفكار"، مستلهماً من مقدمة العلامة ابن خلدون رؤيةً تجعل التاريخ أبعد من مجرد سردٍ لأخبار الدول، بل هو فحصٌ للمؤسسات والوثائق والتحولات العلمية.
- الفقه والسياق: أكد الدكتور جدي أن الفقه ليس أحكاماً مجردة منببتة عن الواقع، بل هو علمٌ مؤسس على الوحي، يتفاعل مع المجتمع ونوازله.
- نموذج ابن عاشور: استشهد بتجربة العلامة محمد الفاضل بن عاشور الذي قدم الفقه المالكي كفقهٍ حيٍّ نما في بيئات المغرب والأندلس وتفاعل مع أرواحها.
- الاعتراف الدولي: أشار إلى مؤتمرات لاهاي وأسبوع الفقه بباريس، حيث تقرر أن الفقه الإسلامي صالح ليكون جزءاً من القانون المقارن، مما دفع علماء كالشيخ مصطفى الزرقا لتقديم الفقه في "ثوبه الجديد".
وشدد الدكتور جدي على أن إبراز "معقولية الحكم الشرعي" ومقاصده الأخلاقية هو السبيل لمحاورة العقل القانوني الحديث من داخل البنية الشرعية لا من خارجها.
نقد الأطروحة الاستشراقية: الحقبة التأسيسية نموذجاً
في قراءة نقدية عميقة، تناول الدكتور مشاري بن سعد الشثري كتاب ظفر إسحاق الأنصاري، مشتبكاً مع أطروحة "جوزيف شاخت" التي حاولت قلب العلاقة بين الحديث والفقه.
- دعوى شاخت: زعم شاخت أن المذاهب الفقهية هي التي أنتجت الأحاديث ونسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم لتثبيت اختياراتها.
- المأخذ المنهجي: انتقد الدكتور الشثري تشرب بعض الباحثين المسلمين لمقدمات استشراقية توحي بأن الفقه بدأ "مرتجلاً"، مؤكداً أن الفقه الكوفي، مثلاً، له جذور راسخة تمتد لطبقة الصحابة كعبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
- غياب النقد الحديثي: خلص إلى أن رفض النتائج الاستشراقية لا يكفي ما لم يصاحبه نقدٌ للأصول والمنهجيات التي بنيت عليها تلك النتائج.
التفاعل المعرفي: أصول الفقه واللسانيات الحديثة
قدم الدكتور محمد عبد الله الساعي مقاربة حول "الدراسات البينية"، مؤكداً أن علم أصول الفقه قام أصلاً على التفاعل مع علوم اللغة والمنطق والكلام. واستند في ذلك إلى قول ابن حزم رحمه الله: "إن الاقتصار على علم واحد يوقع صاحبه في جهل كثير مما يحتاج إليه، لتعلق العلوم بعضها ببعض".
ضوابط التفاعل مع العلوم الحديثة:
- الارتباط بالموضوع: أن يخدم العلم الدخيل مقاصد علم الأصول.
- الاقتصاد: الاقتصار على قدر الحاجة دون إغراق.
- الوعي الفلسفي: الانتباه للجذور العقدية الكامنة وراء النظريات الحديثة.
ودعا الدكتور الساعي إلى الإفادة من "اللسانيات الحديثة" لتعميق فهم الظواهر اللغوية، مع الحفاظ على التراث الأصيل الذي بناه جهابذة الأمة.
خريطة الاشتباك: من الاستشراق إلى كليات القانون
اختتمت الندوة بمداخلة الدكتور محمد بو عبد الله، الذي رصد تحولاً دراماتيكياً في دراسة الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية؛ حيث انتقل الثقل من أقسام اللاهوت إلى كليات القانون.
- أثر وائل حلاق: أشار إلى الدور المحوري لمقالة وائل حلاق "هل أغلق باب الاجتهاد؟" في فتح آفاق جديدة.
- المقاربات المعاصرة: تتنوع الدراسات اليوم بين المقاربة الفيلولوجية (فحص النصوص)، والمقاربة السوسيولوجية، والمقاربة الرقمية التي تحصي آلاف العلماء والوثائق.
- الدرس المستفاد: دعا الباحثين العرب إلى الإفادة من أدوات "الأدلة البحثية" (Handbooks) وقواعد البيانات الضخمة التي يبرع فيها الغرب، لتحويل الموضوعات العامة إلى أسئلة بحثية دقيقة.
خاتمة: نحو استقلال معرفي رصين
إن دراسة الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية تفرض على العقل المسلم المعاصر أن يكون يقظاً، يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، ويمتلك من الشجاعة العلمية ما يجعله يحاور الآخر دون استعلاءٍ فارغ أو تبعيةٍ مهينة. إن الهدف الأسمى هو إظهار عظمة هذا الدين وصلاحية شريعته لكل زمان ومكان، مستمسكين بقوله سبحانه وتعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. نسأل الله عز وجل أن يوفق باحثينا لخدمة دينه، وأن يرزقهم سداد الرأي ونور البصيرة.


اترك تعليقاً