القدس في قلب العاصفة: حين يختنق التاريخ خلف الدروع
كيف يتحول عبق التاريخ في أزقة القدس العتيقة إلى رائحة البارود، وكيف تُمسي السكينة التي تغلف مآذنها وقبابها صخباً عسكرياً يقطع نياط الهدوء؟ في مشهد يجسد سطوة القوة على الحق، شهدت المدينة المقدسة فصلاً جديداً من فصول التضييق، تمثل في اقتحام حائط البراق من قبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يرافقه حشد من وزرائه وآلاف المستوطنين، في خطوة تتجاوز الاستفزاز السياسي لتطال هوية المكان وقدسيته.
القدس.. ثكنة عسكرية تخنق أنفاس التاريخ
لم تكن جدران البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة مساء السبت مجرد حجارة صماء، بل كانت شاهدة على تحويل المدينة إلى ما يشبه "الثكنة العسكرية". والثكنة في المفهوم العسكري هي الموقع المحصن المعد لإقامة الجنود وتدريبهم، لكنها هنا استحالت قيداً يطوق حركة المقدسيين ويحمي المقتحمين.
أحكمت قوات الاحتلال قبضتها على المداخل والمخارج، وحولت "شارع الواد" العريق إلى ممر آمن لآلاف المستوطنين المتوجهين نحو حائط البراق، الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، لإقامة طقوس "السَّليحوت" عشية ما يسمى "يوم الغفران". هذا الحشد العسكري المكثف لم يكن إلا غطاءً لفرض واقع جديد، يتجاهل نداءات دائرة الأوقاف الإسلامية التي تطالب منذ عام 2003 بوقف هذه الاقتحامات الأحادية.
لغة الأرقام: جردة حساب للإرهاب الميداني
بينما كانت الأضواء تسلط على ساحة البراق، كانت يد المستوطنين تعبث فساداً في قرى ومدن الضفة الغربية، في تناغم واضح بين العمل الرسمي والميداني. إن لغة الأرقام هنا لا تكذب، فهي ترسم خارطة وجع يمتد من الخليل جنوباً إلى نابلس شمالاً:
- اعتداءات السبت: نُفذ ما لا يقل عن 14 هجوماً إرهابياً استهدف 4 محافظات فلسطينية.
- توزيع الانتهاكات: سجلت محافظة رام الله والبيرة النصيب الأكبر بـ 6 اعتداءات، تلتها الخليل ونابلس بـ 3 اعتداءات لكل منهما، واعتداءان في بيت لحم.
- النهب الممنهج: سرقة 300 رأس من الأغنام في منطقة الحيان بدير دبوان، ونهب محصول الزيتون الذي يمثل شريان الحياة للفلاح الفلسطيني.
- تعطيش الأرض: قطع خط المياه الرئيسي المغذي لقرية أدقيقة في بادية يطا، مما حرم 700 مواطن من حقهم الأساسي في الماء.
- حصاد أغسطس: سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 628 اعتداءً خلال شهر واحد فقط في الضفة والقدس.
العباءة الدينية والمآرب السياسية
يأتي اقتحام حائط البراق ضمن سياق زمني مدروس، حيث يستغل الاحتلال "موسم الأعياد اليهودية" لتكثيف الوجود الاستيطاني. تبدأ هذه الدورة برأس السنة العبرية، وتمر بيوم الغفران، وصولاً إلى عيد العرش وختمة التوراة في أوائل أكتوبر.
إن توظيف الطقوس الدينية مثل صلوات "السَّليحوت" عند باب الرحمة ليس إلا ذريعة لتثبيت موطئ قدم دائم، ومحاولة لفرض تقسيم زماني ومكاني في المسجد الأقصى ومحيطه. وفي المقابل، تنطلق دعوات "الحشد والرباط" من قبل الفلسطينيين، وهي دعوات تعكس فلسفة المقاومة الشعبية التي ترى في التواجد المادي داخل المسجد الأقصى والتسوق في أسواق البلدة القديمة خط الدفاع الأول عن هوية المدينة.
واقع الاستيطان: ندوب في جسد الأرض
لا يمكن قراءة أحداث القدس بمعزل عن التمدد الاستيطاني السرطاني في الضفة الغربية. نحن نتحدث عن نحو 750 ألف مستوطن يقطنون في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية. هؤلاء ليسوا مجرد سكان، بل هم أدوات في مشروع يهدف إلى التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم عبر الاعتداءات اليومية وإتلاف الممتلكات.
إن تحويل القدس إلى ثكنة عسكرية واقتحام رموزها الدينية والسياسية هو محاولة يائسة لتغيير حقائق التاريخ والجغرافيا. لكن، وكما تثبت الأيام، فإن صمود المقدسيين ورباطهم يظل الصخرة التي تتحطم عليها كل المخططات، لتبقى القدس بآذانها وأجراسها عصية على التذويب، شاهدة على حق لا يموت ما دام وراءه مُطالب.
خاتمة فكرية:
إن ما يحدث في القدس اليوم هو صراع بين "ثقافة القوة" التي تمثلها الثكنة، و"قوة الثقافة" التي يمثلها الرباط. وبينما يظن الاحتلال أن كثرة الجنود والأسوار تحمي روايته، يثبت الواقع أن الحقوق التاريخية لا تُسلب بقرار سياسي أو اقتحام عسكري؛ فالحقيقة كالشمس، قد تغيب خلف غيوم الظلم حيناً، لكنها أبداً لا تنطفئ.



اترك تعليقاً