مقدمة: في رحاب النعمة وظلال الشكر
إن من سوابغ نعم الله سبحانه وتعالى على عبده أن يهيئ له مستقراً يأوي إليه، وداراً تجمع شتات أمره، وهي نعمة تستوجب في قلب المؤمن لهجاً بالثناء، واستشعاراً لمنّة المنعم عز وجل. بيد أن البعض قد خلط بين مسلك الشكر النبوي وبين مسالك الجاهلية، فظنوا أن الذبح عند دخول البيت الجديد قرباناً أو اتقاءً لعينٍ أو جنٍّ هو من تمام الحفظ، وهو لعمري خلطٌ بين التوحيد الخالص وبين أوهامٍ لا رصيد لها في ميزان الوحي.
تزييف الأوهام وتجلية الحقائق الشرعية
إن ممارسة ذبح ذبيحة عند النزول في دار جديدة بنية دفع أذى الجن، أو اتقاء العين، أو استجلاب الحفظ من المكاره، هي ممارسة تفتقر إلى الدليل الشرعي الصحيح، بل هي مسلكٌ غير سديد يقدح في كمال التوكل على الله سبحانه وتعالى.
- عقيدة المؤمن: يجب على المسلم أن ينزّه قلبه عن الاعتقاد بأن الذبح في ذاته هو المانع للضر، أو أن تركه هو الجالب للمصائب، فكل ما يصيب العبد إنما هو بقدر الله عز وجل.
- النية الصالحة: يُندب الذبح إذا كانت النية هي شكر الله سبحانه وتعالى على نعمته، وإطعام الطعام بنية القربة والصدقة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، لكن الراجح أنها ليست واجبة، لا سيما في حق من عجز عنها.
- مكمن الخطر: إذا اقترن الذبح بخشية الجن ورجاء كفّ أذاهم، كما يفعل الكثيرون، صار ذلك من الخرافات الظاهرة التي لا أصل لها في الدين، بل قد يجرّ العبد إلى ما لا تحمد عقباه في عقيدته.
وسطية الإسلام في التعامل مع عالم الغيب
إن تصورات الناس حول عالم الغيب، ولا سيما الجن، قد تباينت بين طرفي نقيض؛ فمنهم من غلا في إثباتهم حتى نسب إليهم تدبير الكون، ومنهم من جفا فأنكر وجودهم بالكلية.
- منكروا الغيب: وهم الذين حصروا الوجود في المحسوسات فقط، فأنكروا وجود الجن، وهذا إفراطٌ وتفريطٌ في حقائق الوحي.
- المبالغون في الوهم: وهم الذين ينسبون كل عارضٍ وصغير وكبير إلى فعل الجن، حتى خُيّل إليهم أنهم يحيطون بهم في كل سكنة وحركة، وهذا غلوٌّ ينافي هدي الإسلام.
- المنهج القويم: الإسلام دين الوسطية؛ أثبت وجود الجن وعالمهم، وتواترت الأخبار بوجودهم، ولكن الاعتقاد بأن لهم سلطاناً مطلقاً في التصرف في الكون، أو أنهم يمتلكون الدور ويضيقون على من لم يذبح لهم، هو اعتقاد باطل لم ينزل الله به من سلطان.
إن هذا الأمر من شؤون الغيب التي لا يجوز فيها القول بغير علم، ولا يصح فيها إلا ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما لم يثبت عنه فلا يجوز الاعتقاد به ولا إلقاء البال إليه.
الوكيرة في ميزان الفقهاء
لقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكام الولائم التي تُقام في المناسبات المختلفة، ومنها وليمة السكنى التي تُعرف بـ "الوكيرة". وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما نصه:
"الوليمة التي تُصنع عند بناء دار أو سكنها مستحبة، كسائر الولائم التي تُصنع لحدوث سرور أو اندفاع شر، وتسمى هذه الوليمة (وكيرة)، ولم يؤكد فيها كما أكد في وليمة العرس."
وقد تباينت أنظار الفقهاء في حكمها على النحو التالي:
- الشافعية: ذهب بعضهم إلى وجوبها، مستندين إلى قول الإمام الشافعي رحمه الله بعد ذكر جملة من الولائم ومنها وليمة البناء: "ما أحب أن يترك واحد منها".
- المالكية: ذهب بعضهم إلى كراهتها، بينما اعتبرها آخرون من المباحات التي لا حرج فيها.
خاتمة: في كنف التوحيد وحصن اليقين
إن أمان العبد الحقيقي ليس في إراقة دمٍ على عتبة، ولا في اتباع خرافةٍ موروثة، بل في اعتصامه بحبل الله المتين، ولهجه بذكره سبحانه وتعالى، وتلاوة سورة البقرة في داره؛ فإن البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. فاجعلوا بيوتكم عامرة بالتوحيد، مضيئة بالشكر، محصنة باليقين، فما طاب مسكنٌ إلا بذكر الله، ولا استقر عيشٌ إلا في ظلال طاعته.
اللهم اجعل بيوتنا بيوت ذكر وشكر، وأعذنا من نزغات الشياطين وأوهام المشركين، واحفظنا بحفظك الذي لا يرام.



اترك تعليقاً