براهين اليقين في إعجاز الكتاب المبين: دراسة في صدق النبوة وأصالة القرآن الكريم

براهين اليقين في إعجاز الكتاب المبين: دراسة في صدق النبوة وأصالة القرآن الكريم

براهين اليقين في إعجاز الكتاب المبين: دراسة في صدق النبوة وأصالة القرآن الكريم

إنّ البحث في أصالة القرآن الكريم ليس مجرد سياحة فكرية في بطون التاريخ، بل هو غوصٌ في لُجّة الحقائق الساطعة واليقين الذي لا يتزعزع الذي جهر به النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الجزء الثاني من دراستنا، نواصل عبر "دوحة الطفل" استجلاء تلك البصائر التي تُثبت بالدليل القاطع أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من نتاج البشر.

المعارف الغيبية: وحيٌ يفيض بالحقائق

لقد أودع الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنباءً لا يمكن لغير الخالق الإحاطة بها؛ فمن ذا الذي أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم عن تفاصيل سد ذي القرنين القابع في أقاصي الشمال على بُعد مئات الفراسخ؟ ومن علّمه دقائق علم الأجنة التي لم ينكشف لثامها إلا في العصور الحديثة؟ إنّ العقل المنصف حين يقف أمام هذه الحقائق، يجد نفسه أمام خيارين: إما الإقرار بالمصدر الإلهي، أو الهروب إلى فرضيات واهية تدعي التلقين والتدليس، وهي فرضيات تتهافت أمام أدنى نقد علمي.

سورة المسد: التحدي الذي أخرس الألسن

تتجلى ثقة النبي صلى الله عليه وسلم في مصدر وحيه في مواقف لا يجرؤ عليها كاذب. لننظر في قصة أبي لهب، ذلك العم الذي ناصب الدعوة العداء، وكان يقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم ليكذبه في كل محفل. فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "أبيض"، قال هو "أسود"، إمعاناً في الصد عن سبيل الله.

بيد أنّ المفاجأة المذهلة كانت في نزول سورة المسد قبل هلاك أبي لهب بنحو عشر سنين، حيث نطق الوحي الإلهي بالحكم العدل:

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}

لقد قرر القرآن الكريم أن أبا لهب سيموت على الكفر ولن يسلم أبداً. طوال عشر سنوات، كان بإمكان أبي لهب أن يهدم أركان الدعوة الإسلامية بكلمة واحدة فقط: "لقد أسلمت". لو فعل ذلك، لقال الناس إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في نبوءته، ولكن هيهات! لقد مضت السنوات العشر ولم ينطق بها، مما يثبت أن المصدر الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم هو علام الغيوب سبحانه وتعالى.

الثبات في الملمات: مشهد الغار نموذجاً

تظهر أصالة القرآن الكريم وصدق النبوة في أحلك الظروف؛ ففي رحلة الهجرة، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار، والمشركون على شفا حفرة منهما، تملّك الخوف أبا بكر، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن نطق بلسان اليقين لا بلسان المذعور:

{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}

إنّ الكاذب في مثل هذا الموقف يبحث عن مخارج طوارئ أو يلوذ بالصمت المطبق، لكنّ الطمأنينة التي أبداها النبي صلى الله عليه وسلم هي برهان ساطع على ثقته المطلقة في حفظ الله عز وجل وتأييده.

تهافت الشبهات وتناقض الخصوم

إنّ المتأمل في مواقف المنكرين يجد عجباً؛ فهم يتخبطون في أحكامهم؛ تارة يرمونه صلى الله عليه وسلم بالكذب، وتارة بالجنون، وهما نقيضان لا يجتمعان في عقل لبيب. فالكاذب يمتلك وعياً حاداً لتنسيق أكاذيبه، والمجنون فاقد للأهلية والاتساق، والقرآن الكريم ينسف كلتا الشبهتين بإعجازه ونظمه المحكم.

ويستمر هذا التخبط حتى في العصر الحديث؛ حيث يروي أحد الدعاة قصة وزير ديني أنكر بشرية القرآن بعد سماع بعض آياته، لكنه سرعان ما هرب من الحقيقة بقوله: "إن الشيطان هو من كتبه!". وهذا الهروب هو ذاته الذي سلكه بعض الجاحدين حين رأوا المعجزات على يد عيسى عليه السلام، فنسبوها للشيطان عجزاً واستكباراً.

الخاتمة

إنّ هذه البراهين ليست إلا غيضاً من فيض في إثبات أصالة القرآن الكريم، وهي دعوة لكل ذي لبّ ليتدبر في هذا النور المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وثبتنا على هدي نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *