بريطانيا والاتحاد الأوروبي: هل يصحح الناخبون مسار التاريخ بالعودة إلى أحضان القارة؟

بريطانيا والاتحاد الأوروبي: هل يصحح الناخبون مسار التاريخ بالعودة إلى أحضان القارة؟

بريطانيا والاتحاد الأوروبي: هل يصحح الناخبون مسار التاريخ بالعودة إلى أحضان القارة؟

هل يمكن للندم السياسي أن يعيد صياغة خرائط الجغرافيا الاقتصادية بعد سنوات من القطيعة؟ هذا التساؤل يفرض نفسه اليوم وقوة الحقائق تشير إلى أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي يقفان على أعتاب مرحلة جديدة، حيث بدأ الناخب البريطاني يدرك أن العزلة في عالم تتقاذفه الأمواج الجيوسياسية ليست مرفأ أمان، بل هي إبحار منفرد في بحر لجي.

الحنين إلى البيت القديم: لغة الأرقام تتحدث

بعد مرور ست سنوات على فك الارتباط الرسمي في مطلع عام 2020، والذي أنهى شراكة دامت 47 عاماً، تكشف استطلاعات الرأي الحديثة عن تحول جذري في الوجدان الشعبي البريطاني. لم يعد الجمهور يبحث عن مسكنات موضعية أو اتفاقيات "منتصف الطريق"، بل بات يميل بوضوح نحو العودة الكاملة.

أبرزت نتائج تقرير حملة "الأفضل لبريطانيا"، المستندة إلى بيانات مؤسسة "يوغوف" (YouGov)، حقائق إحصائية لا تخطئها العين:

  • 53% من المواطنين: يؤيدون إعادة الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي كخيار أول وأكثر شعبية.
  • 61% من الناخبين: يدعمون بناء تحالف أعمق وإقامة علاقات أوثق مع التكتل الأوروبي.
  • 19% فقط: هم من يعبرون عن دعم "قوي" للوضع الحالي، مما يعكس هشاشة الرضا الشعبي عن الانفصال.

هذه الأرقام تشبه البوصلة التي تشير إلى الشمال؛ فهي لا تصف مجرد عاطفة عابرة، بل تعبر عن مراجعة عقلانية لجدوى الانفصال في ظل ضغوط التضخم وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

التشريع والسياسة: خطوات حذرة نحو التقارب

تتحرك الحكومة البريطانية الحالية بقيادة كير ستارمر بخطى وئيدة ولكنها مدروسة لإعادة ترتيب البيت من الداخل. ومن المقرر أن يشهد يوم 13 مايو/أيار طرح حزمة تشريعية ضمن "خطاب الملك" تهدف إلى إعادة التنظيم الهيكلي للعلاقة مع بروكسل.

تسعى الحكومة إلى تمرير قوانين تسمح باعتماد قواعد "السوق الموحدة" عبر تشريعات ثانوية. والسوق الموحدة هنا ليست مجرد مصطلح اقتصادي جاف، بل هي "الرئة التجارية" التي تتنفس من خلالها السلع والخدمات بحرية، والعودة إلى قواعدها تعني استعادة مرونة الحركة التي فُقدت إبان البريكست.

رؤية ستارمر والدفاع المشترك

في فبراير/شباط الماضي، أرسل رئيس الوزراء إشارة قوية حين أعلن أن حكومته تدرس الانضمام إلى صندوق تابع للاتحاد الأوروبي مخصص لمشاريع الدفاع. هذا التوجه يعكس إدراكاً بأن الأمن القومي البريطاني يظل مرتبطاً عضوياً بالمنظومة الأوروبية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

"الأفضل لبريطانيا": ما وراء القبول السطحي

يشير تقرير حملة "الأفضل لبريطانيا" إلى معضلة سياسية دقيقة؛ فالدعم الحالي لخطط الحكومة، وإن كان واسع النطاق، إلا أنه يوصف بـ "السطحي". فالكثير من الناخبين يقبلون بالاتفاقيات الجزئية على مضض، كمن يقبل بظل شجرة في هجير الصيف وهو يطمح في سقف بيت آمن.

إن الرغبة في العودة الكاملة، التي حظيت بموافقة 53%، تضع صانع القرار أمام حقيقة أن الشعب قد تجاوز في طموحاته المناورات السياسية الصغيرة، باحثاً عن استقرار دائم تحت مظلة الاتحاد التي غادرها يوماً في لحظة فارقة من تاريخه.

خاتمة: حكمة العودة ومستقبل المصير

إن السياسة، في أسمى تجلياتها، هي فن الاعتراف بالمتغيرات والقدرة على تصحيح المسار حين تتبدل الظروف. إن ميل الناخبين في بريطانيا نحو الاتحاد الأوروبي مجدداً ليس تراجعاً عن السيادة، بل هو إدراك بليغ بأن القوة في العصر الحديث تكمن في التشابك لا في الانكفاء. يبقى السؤال: هل تمتلك القيادة السياسية الشجاعة الكافية لتحويل هذه الأشواق الشعبية إلى واقع قانوني يعيد بريطانيا إلى مكانها الطبيعي في قلب القارة العجوز؟


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *