الرقة تتنفس الصعداء: مشهد جديد من التحولات الميدانية والسياسية
في مشهد يجسد حجم التحولات المتسارعة التي تعصف بمناطق شمال شرقي سوريا، تشهد مدينة الرقة، التي كانت يوماً ما معقلاً لتنظيم الدولة، فصلاً جديداً من فصول الصراع السوري المعقد. اليوم، يقف آلاف المقاتلين السابقين في صفوف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في طوابير طويلة، ليس لخوض معركة جديدة، بل لتسليم أسلحتهم وتقنين أوضاعهم القانونية لدى مراكز “المراجعة والتسوية” التابعة للحكومة السورية الانتقالية.
هذا التحول يأتي في أعقاب سيطرة الحكومة الانتقالية على المدينة ومناطق واسعة في ريفها خلال شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، إثر هجمات منسقة مدعومة من أبناء العشائر العربية، مما أدى إلى انحسار نفوذ “قسد” وتغيير الخارطة العسكرية والديمغرافية في المنطقة بشكل جذري.
قصص من قلب الانتظار: البحث عن الأمان والحقوق الضائعة
بين مئات الوجوه المصطفة أمام مركز التسوية، يبرز محمد أنور إبراهيم، البالغ من العمر 45 عاماً، كواحد من السوريين الأكراد الذين تقاذفتهم أمواج الصراع. محمد، الذي قطع المسافة من بلدة عين عيسى إلى قلب الرقة، يلخص دوافع الكثيرين بقوله: “نحن جميعاً سوريون، جئت من أجل التسوية والمهم أن نحصل على حقوقنا من دون تمييز”.
تعكس كلمات محمد مزيجاً من الإرهاق والأمل؛ فالرجل الذي عمل سابقاً حارساً في مؤسسة مدنية تابعة لـ “قسد”، اضطر لاحقاً للعمل كسيارة أجرة لإعالة أطفاله الثمانية في ظل ظروف معيشية قاسية. وبالنسبة له، فإن إجراء التسوية ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو خطوة ضرورية لترتيب حياته وضمان العيش الكريم تحت مظلة مؤسسات الدولة التي عادت للعمل في المدينة.
إقبال واسع وآلية منظمة لتسليم السلاح
تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن مراكز التسوية إلى حجم الإقبال الكبير؛ حيث كشف مصطفى العيسى، مدير مركز المراجعة والتسوية في الرقة، عن تسوية أوضاع أكثر من 1580 عنصراً حتى الآن. وتتضمن العملية استلام الأسلحة الخفيفة، المركبات، والوثائق الرسمية التي كانت بحوزة المقاتلين، تمهيداً لعودتهم إلى حياتهم المدنية أو دمجهم في الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة الانتقالية.
وفي هذا السياق، تبرز رغبة واضحة لدى العديد من العناصر السابقين في الانضمام للجيش السوري الجديد. أحمد خليل علي، أحد عناصر الأمن الداخلي السابقين في “قسد”، يؤكد أنه ترك سلاحه منذ شهر ولم يشارك في القتال الأخير، معرباً عن استعداده التام للانضمام إلى الجيش لإعادة بناء البلاد، وهي رغبة يشاركه فيها محمود خليل علي، الموظف الإداري السابق، الذي يأمل في الاندماج ضمن مؤسسات وزارة الدفاع لضمان مصدر دخل مستقر.
تحديات أمنية واقتصادية تواجه السلطة الجديدة
رغم النجاح الأولي في عملية نزع السلاح وتسوية الأوضاع، إلا أن الحكومة السورية الانتقالية تواجه تحديات جسيمة في الرقة. المدينة التي عانت من دمار شبه كامل في عام 2017، لا تزال تفتقر إلى مشاريع إعادة إعمار حقيقية تنهض بواقعها الخدمي والاقتصادي.
علاوة على ذلك، يظل الهاجس الأمني هو التحدي الأكبر؛ فإلى جانب خلايا تنظيم الدولة النائمة في البادية، يتعين على السلطات التعامل مع ملفات شائكة تتعلق بآلاف الأشخاص المرتبطين بالتنظيم في مخيمات ومراكز احتجاز شمال شرقي البلاد. إن تحويل هؤلاء المقاتلين السابقين إلى مواطنين فاعلين في المجتمع يتطلب أكثر من مجرد ورقة تسوية؛ إنه يتطلب رؤية اقتصادية شاملة واستقراراً أمنياً مستداماً في منطقة لا تزال تعيش على صفيح ساخن.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً