مقدمة: سكون المداخن وأنين البيوت
هل تخيلت يوماً أن تصمت المدافع الصناعية التي كانت تطعم الآلاف، ويتحول ضجيج الماكينات إلى سكون موحش؟ هذا ما تعيشه أزمة الطاقة في بنغلاديش اليوم؛ حيث غدت إمدادات الغاز الطبيعي شحيحة كالغيث في عام الرمادة، مما ألقى بظلاله القاتمة على المصانع والمنازل وقطاعات النقل، مخلفاً وراءه تساؤلات كبرى حول مستقبل بلد يطمح للنمو وسط عواصف النقص.
قلاع الصناعة التي أطفأها الصمت
تمثل مصانع الأسمدة والنسيج العمود الفقري للاقتصاد في دكا، لكن هذا العمود بات اليوم يئن تحت وطأة العجز. مصنع "أشوغانج" للأسمدة، ذلك العملاق الرابط في شرق البلاد، يقف اليوم شاهداً على قسوة الأزمة.
- توقف الإنتاج: منذ مارس 2025، توقف المصنع تماماً عن العمل، وهو الذي كان يضخ أكثر من 1000 طن من اليوريا يومياً.
- التكلفة البشرية: أكثر من 1200 موظف باتوا يراقبون هيكلاً حديدياً صامتاً، بعد أن كان المصنع خلية نحل لا تهدأ.
- الأمن الغذائي: إغلاق 6 مصانع رئيسية للأسمدة لا يعني خسارة مالية فحسب، بل هو تهديد مباشر لمحاصيل الأرض وأقوات الناس.
قطاع الملابس: نبض الصادرات في خطر
تعد بنغلاديش ثاني أكبر مصدر للملابس عالمياً، حيث يمثل هذا القطاع نحو 80% من عائدات صادراتها. إن أي اضطراب في الطاقة هو بمثابة قطع لشريان الحياة عن هذا القطاع الحيوي، مما يهدد مكانة البلاد في السوق الدولية ويضع مئات المصانع أمام خيارين أحلاهما مر: تقليص الإنتاج أو الإغلاق التام.
بيوت تئن تحت وطأة العتمة
لا تتوقف المعاناة عند أسوار المصانع، بل تسللت إلى مخادع الأسر. في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء، باتت "نرجس بيغوم" وأمثالها من ربات البيوت يصارعن لإعداد لقمة العيش بمواقد الحطب، بعد أن جفت الأنابيب من الغاز.
- انقطاعات متكررة: الكهرباء تنقطع لثلاث أو أربع مرات في الليلة الواحدة، وسط طقس حار ورطوبة خانقة.
- ترشيد قسري: الحكومة اضطرت لإغلاق مراكز التسوق مبكراً، في محاولة يائسة لتوفير ما يمكن توفيره من طاقة.
جذور الأزمة: ميراث الإهمال وتقلبات القدر
لم تكن أزمة الطاقة في بنغلاديش وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمات سنوات من تراجع الإنتاج المحلي. فبعد أن كانت البلاد تعيش حالة من الاكتفاء الذاتي في 2018، نضبت الحقول القديمة دون أن تجد من يستثمر في استكشاف آبار جديدة.
لغة الأرقام: الحقيقة المجرّدة
توضح الإحصائيات الفجوة الكبيرة بين التكلفة والاستثمار، وبين الاستهلاك والإنتاج:
- توزيع الاستهلاك: يستهلك قطاع توليد الكهرباء والصناعة أكثر من 75% من إجمالي الغاز، بينما تكتفي المنازل بنحو 10% فقط.
- الجدوى الاقتصادية: تكلفة حفر بئر واحدة تتراوح بين 12 إلى 16 مليون دولار، لكن العائد المتوقع من الغاز المستخرج منها يصل إلى نحو 4.9 مليار دولار.
- التبعية الخارجية: أدت الصراعات الدولية وتراجع الملاحة في مضيق هرمز إلى تعثر شحنات الغاز المسال، مما كشف هشاشة الاعتماد على الاستيراد.
غدٌ يرتجي الضياء: نحو الحلول المستدامة
يرى الخبراء أن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب مسارين متوازيين؛ الأول هو العودة إلى حضن الأرض عبر تكثيف عمليات التنقيب المحلي، والثاني هو الانعتاق من أسر الوقود الأحفوري والتوجه نحو الطاقة المتجددة. إن شراء منصات حفر جديدة وإطلاق مناقصات للتنقيب البحري هي خطوات في الطريق الصحيح، لكنها تحتاج إلى نفس طويل وإرادة صلبة.
خاتمة: الحكمة من وراء العتمة
إن أزمة الطاقة في بنغلاديش ليست مجرد نقص في الوقود، بل هي درس قاسم في ضرورة التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في الموارد الذاتية. إن الأمم التي لا تملك مفاتيح طاقتها، تظل رهينة لتقلبات السياسة وعواصف الأسواق. ويبقى الأمل معقوداً على سواعد البنغاليين لتحويل هذه المحنة إلى منحة، تعيد الضياء للمنازل والهدير للمصانع، لتبقى بنغلاديش منارة للصناعة في شرق القارة.



اترك تعليقاً