بورتسودان.. “قصر الشرق” الذي ورث ضجيج العاصمة وأوجاع التضخم

بورتسودان.. “قصر الشرق” الذي ورث ضجيج العاصمة وأوجاع التضخم

بورتسودان.. حين يرحل الضجيج ويبقى الثمن باهظاً

هل يغادر الصخب مدينةً كما يغادرها أهلها؟ في بورتسودان، حطت رحال الدولة السودانية لأكثر من اثنين وثلاثين شهراً، ثم رحلت ململمة أوراقها الرسمية لتعود إلى الخرطوم، لكنها تركت خلفها مدينةً ليست كما كانت. لقد تحولت "درة الشرق" من مرفأ هادئ يغازل موج البحر الأحمر، إلى مركز إداري مثقل بتبعات التضخم، ووريثة لأسعار عقارات لم تعرف الانكسار رغم رحيل المستأجرين.

لقد كانت بورتسودان الرئة التي تنفس منها السودان حين ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فاستقبلت مجلس السيادة والوزارات الاتحادية عقب خروج رئيس المجلس، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، من حصار القيادة العامة في أغسطس 2023. واليوم، وبينما تستعيد المدينة هدوءها المروري، تظل الأسواق والخدمات محبوسة في شرنقة الغلاء التي نسجتها سنوات الاضطرار.

الانفجار الديموغرافي: لغة الأرقام الصارخة

لم يكن التحول في بورتسودان مجرد تغيير في الصفة الإدارية، بل كان زلزالاً ديموغرافياً غير ملامح المدينة الاجتماعية والاقتصادية. تعكس الإحصائيات حجم الضغط الذي استوعبته هذه البقعة الساحلية:

  • التعداد السكاني: قفز عدد السكان من 1.5 مليون نسمة قبل الحرب إلى أكثر من 4 ملايين شخص في ذروة الأزمة.
  • الانكماش المفاجئ: بعد عودة أجهزة الحكم إلى الخرطوم في فبراير الماضي، تراجع عدد السكان بنسبة تفوق 50%.
  • القوة العاملة: باشرت الوزارات مهامها بنحو 20% فقط من قوتها البشرية، بينما توزع البقية بين نزوح داخلي ولجوء خارجي.

هذا المد البشري حول المدينة إلى خلية نحل تجارية، حيث استعيض عن الصناعة المحلية المتوقفة بالاستيراد الكامل عبر ميناء بورتسودان، مما خلق طفرة اقتصادية مؤقتة، استفاد منها كبار وصغار التجار والحرفيين على حد سواء.

مفارقة العقار: لماذا لم تنخفض الأسعار؟

في علم الاقتصاد، تتبع الأسعار منحنى الطلب صعوداً وهبوطاً، لكن في بورتسودان، يبدو أن للجاذبية قواعد أخرى. فعلى الرغم من أن إيجارات العقارات التجارية والسكنية شهدت انخفاضاً بنحو 20% بعد رحيل المنظمات والبعثات، إلا أن هذا التراجع ظل طفيفاً أمام وحش التضخم.

العوامل المؤثرة في استدامة الغلاء:

  1. تدهور العملة: انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية جعل أي انخفاض في الطلب يقابله ارتفاع في تكلفة المعيشة.
  2. أزمة الطاقة: تعتمد الشقق السكنية الفاخرة على المولدات الخاصة التي تستهلك الغازولين، ومع ارتفاع أسعار المحروقات، بقيت تكلفة التشغيل مرتفعة.
  3. تراجع السياحة: الفنادق التي كانت تسجل نسبة إشغال تتجاوز 80% بفضل الدبلوماسيين والموظفين الدوليين، باتت اليوم تعاني من تراجع النشاط بنسبة تقدر بـ 50%.

إرث "قصر الشرق" والآفاق المستقبلية

لم تخرج بورتسودان من هذه التجربة خالية الوفاض، فقد نالت نصيباً من الهيبة السياسية بافتتاح "قصر الشرق" في نوفمبر الماضي، ليكون مقراً سيادياً وشتوياً لمؤسسة الرئاسة. هذا القصر، مع استمرار مطار بورتسودان الدولي في استقبال الرحلات الخارجية والزوار الدوليين، يعزز من فرضية تحول المدينة إلى عاصمة اقتصادية وسياحية دائمة، لا مجرد عاصمة طوارئ.

إن المشهد على كورنيش البحر الأحمر اليوم، ورغم قلة المتنزهين مقارنة بالعامين الماضيين، يحمل في طياته أملاً جديداً. لقد خبرت المدينة كيف تكون قلباً نابضاً للدولة، وتعلم مواطنوها كيف يطوعون الحرف والتجارة لخدمة الملايين.

خاتمة المقال:
إن المدن كالبشر، تمر بأزمات تصقل هويتها. وبورتسودان التي كانت ملاذاً آمناً في أحلك الظروف، تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة؛ فإما أن تظل أسيرة لغلاء خلفته الحرب، أو أن تستثمر إرث "العاصمة المؤقتة" لتصبح قطباً اقتصادياً لا يقل شأناً عن الخرطوم. يبقى "قصر الشرق" شاهداً على زمن كانت فيه الأمواج هي الحارس الوحيد لهيبة الدولة، وتبقى آمال أهلها معلقة برزقٍ لا يلتهمه التضخم.


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *