صلوات بصبغة هوليوودية في محراب الحرب
هل تصبح الشاشة الفضية مصدراً للتشريع العسكري، وهل يمكن لخيالات السينما أن تتحول إلى عقيدة قتالية تُتلى في المحافل الرسمية؟ وقف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في قلب وزارة الدفاع (البنتاغون) ليقدم مشهداً أربك الحاضرين، حين تلا نصاً درامياً بوقارٍ ديني، زاعماً أنه دعاء مستلهم من الكتاب المقدس، بينما كانت الحقيقة تكمن في أرشيف المخرج كوينتن تارانتينو وفيلم "Pulp Fiction".
تجاوزت هذه الواقعة حدود الهفوة العابرة؛ فهي تعكس توظيفاً لافتاً للرمزية الدينية في تأطير الصراعات العسكرية، لا سيما فيما يتعلق بالسياسات تجاه إيران. لقد سعى بيت هيغسيث من خلال هذا النص إلى إضفاء مسحة من "العدالة الإلهية" على العمليات الحربية، محولاً لغة الميدان إلى طقس تعبدي يمزج بين صليل السيوف وتراتيل المحاريب.
تشريح "الآية المزيفة": من سفر حزقيال إلى شاشة العرض
النص الذي تلاه الوزير، والذي اشتهر بأداء الممثل صامويل جاكسون، يُعرف في الأوساط الثقافية بأنه "اقتباس زائف". ورغم ادعاء نسبته إلى سفر حزقيال، إلا أن التدقيق العلمي يظهر فجوة واسعة بين النص الأصلي وما تلاه الوزير:
- الأصل الديني: سفر حزقيال (الإصحاح 25، الآية 17) يتحدث عن الانتقام الإلهي بلغة نبوية قديمة.
- التحريف السينمائي: أضاف كاتب السيناريو عبارات درامية مطولة لا وجود لها في العهد القديم لتعزيز هيبة الشخصية الإجرامية في الفيلم.
- التعديل العسكري: قام بيت هيغسيث باستبدال مصطلحات دينية بـ "رموز نداء عسكرية"، مما خلق هجيناً لغوياً يربط العقيدة الدينية بالعمليات القتالية الميدانية.
هذا المزج المتعمد يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود استخدام الرموز المقدسة في تبرير القوة الغاشمة، خاصة عندما يكون المصدر هو "الخيال السينمائي" وليس الوحي الديني.
عاصفة الجدل: ردود الفعل بين السخرية والتحذير
لم تمر الواقعة دون أن تثير موجة عارمة من النقاشات المحتدمة، حيث انقسمت الآراء بين من يراها زلة رمزية ومن يراها مؤشراً على تحول عميق في الخطاب السياسي الأمريكي:
1. الرواية الرسمية والدفاع الوظيفي
حاول المتحدث باسم البنتاغون احتواء الموقف، مؤكداً أن الوزير لم يرتجل نصاً عشوائياً، بل استخدم "دعاءً مخصصاً" متداولاً داخل فرق الإنقاذ القتالي، مشدداً على أن النص يعكس جوهر العقيدة الدينية حتى وإن اختلف في صياغته الحرفية.
2. النقد السياسي والاجتماعي
في المقابل، جاءت الانتقادات لاذعة من نخب صحفية وفكرية:
- أنتونيلو غيريرا: وصف الحادثة بأنها أمر لا يمكن اختلاقه، مشيراً إلى غرابة استبدال النص الديني بنص سينمائي في سياق رسمي.
- ليزلي أبرفانيل: اعتبرت ما حدث نموذجاً لـ "طاقة الحزب الجمهوري" التي تجمع بين الاستعراض الديني والعنف المتخيل.
- أندي سيغنور: تساءل بدهشة عن مدى واقعية تلاوة نص من فيلم في درس ديني داخل أرفع مؤسسة عسكرية في العالم.
الخلفية الإعلامية وأثرها على القرار السياسي
لفهم هذا السلوك، يجب العودة إلى المسيرة المهنية لـ بيت هيغسيث؛ فالرجل الذي كان وجهاً بارزاً في شبكة "فوكس نيوز"، اعتاد لسنوات على تقديم خطاب محافظ يعتمد على الإبهار البصري وجذب الانتباه. هذا التكوين الإعلامي يبدو أنه طغى على البروتوكول العسكري، حيث أصبحت الصورة والكلمة الرنانة تتقدم على الدقة التاريخية والنصية.
إن خطورة هذا النهج تكمن في تحويل المؤسسات السيادية إلى منصات للعروض الأيديولوجية التي قد تفتقر إلى العمق المعرفي، مما يجعل الحقائق العلمية والتاريخية ضحية لبلاغة زائفة.
خاتمة: حين تصبح الكلمة سلاحاً ذو حدين
إن ما جرى داخل البنتاغون ليس مجرد اقتباس خاطئ، بل هو تنبيه لمدى تغلغل الثقافة الشعبية في مفاصل القرار السياسي والعسكري. عندما تُستدعى السينما لتفسير السماء، وعندما يحل "الخيال الرخيص" محل النص الرصين، نصبح أمام مشهد فكري يتطلب وقفة تأمل. إن الحكمة تقتضي تنزيه المقدسات عن التوظيف العابر، والحفاظ على لغة السياسة بعيداً عن أوهام الشاشات، ليبقى الحق حقاً والبيان بياناً.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً