بين دهاليز السياسة وأحلام السلام: لماذا يصدُّ بنيامين نتنياهو أبواب غزة أمام خطة مجلس السلام؟

بين دهاليز السياسة وأحلام السلام: لماذا يصدُّ بنيامين نتنياهو أبواب غزة أمام خطة مجلس السلام؟

بين دهاليز السياسة وأحلام السلام: لماذا يصدُّ بنيامين نتنياهو أبواب غزة أمام خطة مجلس السلام؟

هل يمكن للسياسة أن تكون قيداً يمنع انطلاق حمائم السلام من أقفاصها؟ في وقت تشرئب فيه الأعناق نحو تهدئة تنهي مأساة غزة، يبرز موقف بنيامين نتنياهو كحجر عثرة أمام خريطة طريق دولية نالت قبولاً من أطراف النزاع الأخرى. إن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي لخطة مجلس السلام يطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت المصالح الانتخابية الضيقة قد تفوقت على الضرورات الإنسانية والسياسية الكبرى.

خطة النقاط الـ 15: جسرٌ لم يعبره نتنياهو

وضعت القوى الدولية ومجلس السلام وثيقة تقنية وسياسية محكمة تتألف من 15 نقطة جوهرية، تهدف إلى ردم الفجوة بين الأطراف المتصارعة. وبينما أبدت حركة حماس تمسكها بهذه الخريطة، جاء رد بنيامين نتنياهو حازماً بالرفض، معلقاً أي انسحاب عسكري بشرط نزع السلاح بشكل حقيقي، وهو شرط يراه المحللون بمثابة "كلمة حق أريد بها باطل" لتعجيز المسار التفاوضي.

تتضمن الخطة معالم واضحة تشمل:

  • الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة.
  • إدخال المساعدات الإنسانية بشكل مكثف ومستدام.
  • تفعيل دور الوسطاء (مصر وقطر) لضمان تنفيذ البنود.
  • وضع إطار زمني لنزع السلاح وإعادة الإعمار.

حسابات الصندوق: شبح الانتخابات والخط الأصفر

لا يتحرك بنيامين نتنياهو في فراغ سياسي، بل تحكمه ضغوط داخلية عنيفة. فاليمين الإسرائيلي المتطرف يرى في أي تراجع عسكري هزيمة نكراء. وقد تجسد هذا التعنت في تصريحات وزير الطاقة إيلي كوهين، الذي أكد أن إسرائيل لن تتراجع "مليمتراً واحداً" عما يسمى الخط الأصفر في غزة.

إن اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المقبل جعل من ملف غزة ورقة انتخابية رابحة في يد اليمين. فالبقاء في السلطة يتطلب إرضاء القواعد المتطرفة، حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات الاستراتيجية مع الحليف الأمريكي.

واشنطن وتل أبيب: تصدعات في جدار التحالف

يشير الخبراء، ومنهم مارك كاتس ولوسي كورتزر، إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تمر بمرحلة من التحول الجذري. لم تعد الشيكات الأمريكية تُوقع على بياض؛ فالداخل الأمريكي يشهد تبدلاً في موازين القوى:

  1. الحزب الديمقراطي: بات أكثر انحيازاً للحقوق الفلسطينية وأشد انتقاداً للسياسات الإسرائيلية.
  2. المحافظون الشباب: تغيرت نظرتهم التقليدية تجاه إسرائيل كحليف مطلق.
  3. تحدي ترمب: يجد الرئيس السابق دونالد ترمب نفسه في موقف حرج؛ فبينما يسوق نفسه كصانع للسلام، يحرجه بنيامين نتنياهو بمناوراته التي قد تورط الولايات المتحدة في مواجهات إقليمية، لاسيما مع إيران.

الهروب إلى الأمام: مناورة نزع السلاح

ترى لوسي كورتزر أن قبول حماس المفاجئ للخطة أصاب الحكومة الإسرائيلية بالارتباك. لقد كان الرهان على رفض حماس هو المبرر الذي يتكئ عليه بنيامين نتنياهو للاستمرار في العمليات العسكرية. ومع زوال هذا المبرر، بدأ رئيس الوزراء في إلقاء اللوم على الأطراف الأخرى، محاولاً إيجاد توازن هش بين ضغوط البيت الأبيض ورغبات اليمين المتطرف.

وعلى الرغم من تأكيدات قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) براد كوبر بالتزام واشنطن بتنفيذ الخطة، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن المناورة السياسية ما زالت سيدة الموقف.

خاتمة: حين تصبح السلطة غاية والسلام وسيلة

إن المشهد السياسي الحالي يعكس مأساة إنسانية مغلفة بأغلفة الدبلوماسية. فبينما تتحدث الأرقام عن 15 نقطة للسلام، تتحدث الوقائع عن إصرار على استمرار النزاع لأغراض انتخابية. يبقى بنيامين نتنياهو متمسكاً بموقفه، ليس لأنه لا يرى طريق السلام، بل لأنه يخشى أن يؤدي هذا الطريق إلى نهاية مستقبله السياسي. إن التاريخ لا يرحم الذين يبيعون استقرار الشعوب مقابل كراسي الحكم، ويبقى الأمل معلقاً على وعي دولي يفرض الحق فوق إرادة المناورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *