# بين ترقب البشر وتدبير الله: قراءة إيمانية في حالة القلق العالمي
تتسمر أعين أهل الأرض اليوم، من شرق الكوكب الأزرق إلى غربه، وتتجه الأنظار بنوع من الذهول والترقب الصامت نحو عقارب الساعة، وهي تشير إلى لحظات فاصلة في تاريخ السياسة العالمية. مشهدٌ مهيب مليء بالمفارقات العجيبة؛ حيث تنكب شعوب الأرض قاطبة، على اختلاف أعراقهم، ولغاتهم، وانتماءاتهم، فوق شاشاتهم ومحركات البحث، يترقبون خبراً يخرج من وراء البحار. يحسبون فوارق التوقيت بدقة متناهية، ويضبطون ساعاتهم المحلية، بل ويضبطون نبضات قلوبهم وحالتهم الشعورية، على وقع القرارات الصادرة من تلك العاصمة البعيدة.
إنها حالة من التخوف، والوجل، والترقب الكوني الذي حبس أنفاس العالم، وكأن الكوكب بأسره يقف اليوم على حافة هاوية سحيقة، أو ينظر في قاع مظلم، ينتظر خبراً، أو قراراً، أو حدثاً يظنون بجهلهم أنه هو الذي سيقلب موازين حياتهم رأساً على عقب، ويحدد مصير أرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
تهاوي أوهام السيطرة والمادية
في هذه اللحظات التاريخية، نرى بوضوح كيف تتهاوى أوهام “الاستغناء والسيطرة” التي طالما تغنت بها الحضارة المادية المعاصرة. تلك الحضارة التي ظنت أنها أحاطت بكل شيء علماً، وأنها ملكت زمام الطبيعة والقدر عبر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقوة العسكرية. نرى اليوم كيف تحولت هذه البشرية الممتدة، بكل تقنياتها الجبارة وأقمارها الصناعية، إلى مجرد كائنات هشة، تتنازعها الهواجس، وتتقاذفها رياح الأخبار الزائفة والصادقة، وتغرق في بحر من القلق الوجودي.
إن هذا الهلع الجماعي يكشف لنا حقيقة الضعف الإنساني المتأصل، وكيف أن الإنسان، مهما علا شأنه، يظل فقيراً محتاجاً إلى ركن شديد يأوي إليه. وفي خضم هذا الضجيج الأرضي، يطوف بالذهن معنى “الغيب”؛ هذا المعنى العظيم الذي يُرعب الإنسان البعيد عن هدي الوحي بمجرد الاقتراب من أسواره، لأنه يواجهه بحقيقته المجردة: عجز مطلق عن إدراك ما تخبئه اللحظة القادمة، وافتقار دائم لمدبر حكيم.
عقيدة الغيب: الملاذ الآمن من القلق
نحن اليوم نترقب موعداً لحدثٍ من صنع البشر، ونقف أمامه صاغرين خائفين، نترقب المآلات بخفقان قلب يكاد يمزق الصدور، متناسين في غمرة هذا القلق الكوني الحقيقة القرآنية العظيمة التي تحسم كل جدل وتطرد كل خوف: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: ٥٩].
يا لجهل هذا الإنسان، ويا لضعفه العميق! يظن بجهله أنه امتلك ناصية الأرض عبر شبكاته العنكبوتية الممتدة، ثم تراه يرتعد من قادم الأيام كأنه ريشة في مهب ريح عاتية. يظن أن زمام التاريخ متروك لقرارات تُتخذ في الغرف المغلقة، أو لمؤامرات تُحاك في دهاليز السياسة، متغافلاً عن أن إرادة البشر، مهما تعاظمت واجتمعت، ومهما ملكت من أدوات القوة والبطش، تتلاشى وتذوب كالملح في الماء أمام قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠].
لقد غفل هذا الإنسان الهلع عن أن كل حدثٍ يرجف له قلبه، وكل حركة وسكون في هذا الكون، خاضعة لميزان إلهي دقيق لا يخطئ أبداً: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩]. إن القدر المسطور في اللوح المحفوظ، والذي كُتب قبل خلق السماوات والأرض، سيجري يقيناً وحتماً، ولن يغير من جريانه صراخ البشر أو تدابيرهم المادية: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: ٣٨].
رسالة إلى أهل القبلة: السكينة في عين العاصفة
إن هذا المشهد المكتظ بالترقب الدنيوي، والاضطراب النفسي العالمي، ليدعونا نحن أهل القبلة، والمؤمنين بالله رباً وبالإسلام ديناً، للفرار إلى الملاذ الآمن. إنه يدعونا إلى تجديد اليقين المطلق بأن مقاليد الأمور، ومفاتيح التغيير، ومصائر الشعوب، محصورة بالكلية بيد الخالق جل جلاله، وهي بعيدة كل البعد عن سائر عواصم الأرض المادية، سواء كانت واشنطن أو غيرها.
كيف نرتجف ومآلات التاريخ بيده سبحانه؟ إن المتأمل بقلب بصير، والمستمسك بنور الوحي، يدرك أن قرارات الأرض كلها، من أقصاها إلى أقصاها، خاضعة بالكلية لسلطان الله وتدبيره، فسبحانه الذي {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: ٥].
حقائق إيمانية يجب استحضارها في زمن الأزمات:
1. وحدانية الخلق والأمر: مهما حشدت البشرية من أسباب، ومكرت من مكر كبار، فالمآل والمنتهى لقوله جل وعلا: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: ٥٤]. فلا يقع في ملكه إلا ما أراد، ولا يكون في كونه إلا ما قضى.
2. كفاية الله لعباده: مهما تعقدت الحسابات السياسية، وتداخلت المصالح الدولية، وظن الناس أن الأبواب قد أُغلقت، فاليقين الذي يُبرِّد على القلب وينتزع منه كل خوف هو قوله سبحانه: {أَلَيسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبدَهُ وَيُخَوِّفونَكَ بِالَّذينَ مِن دونِهِ وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ} [الزمر: ٣٦].
3. اللطف الخفي في أقدار الله: حريّ بالمؤمن في زحمة هذا القلق العالمي أن يُسند ظهره إلى ركن شديد، موقناً أن العالم مهما بدا على حافة الهاوية، فإنه يتحرك في مساحة مشيئة الله وحكمته البالغة. إن الذي يخبئه القدر، حتى وإن بدا مرعباً في ظاهره، وأرعبت تفاصيله سكان الكوكب، قد يحمل في طياته ألطافاً خفية، ونهايات محمودة للأمة، مصداقاً لقوله الكريم: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهو خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: ٢١٦].
4. الاختيار الإلهي: تذكر دائماً وأنت تتابع الأخبار والتحليلات أن الخيرة فيما اختاره الله لا فيما يختاره البشر أو صناديق الاقتراع: {وَرَبُّكَ يَخلُقُ ما يَشاءُ وَيَختارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمّا يُشرِكونَ} [القصص: ٦٨].
الخاتمة: كيف نستقبل القادم؟
إن الواجب على المسلم اليوم ليس هو الانعزال عن الواقع، بل استيعاب الواقع من خلال نظارة الوحي. لا تجعل قلبك وعاءً لكل إشاعة، ولا تجعل أعصابك رهينة لقرار بشري قد يتغير بين عشية وضحاها. إن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من استقرار البورصات أو فوز مرشح معين، بل تأتي من الرضا بالله رباً ومدبراً.
استند إلى ركنك الشديد، وأقبل على شأنك، وقم بواجبك الذي استخلفك الله فيه، ودع التدبير للمدبر. فالعالم الذي يضطرب من حولك يديره رب رحيم، حكيم، عليم، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فنم قرير العين، موقن القلبي، فما كان لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يكن لك لن تناله بقوتك، والأمر كله لله من قبل ومن بعد.


اترك تعليقاً