هل يستطيع جسدٌ بشري أن يتحول إلى خارطة للألم، ترسم حدودها سياط الجلادين ونصالهم؟ إن ما يواجهه الأسرى الفلسطينيون اليوم يتجاوز حدود الوصف المادي، ليصبح محاولة ممنهجة لتفكيك الهوية الإنسانية وإعادة صياغتها عبر بوابة الرعب والوجع الممنهج.
عماد أبو نبهان: خمسة عشر يوماً في برزخ التابوت
في صندوقٍ ضيقٍ لا يتسع إلا لزفيرٍ مخنوق، أمضى الأسير المحرر عماد أبو نبهان خمسة عشر يوماً مسجىً في تابوتٍ خُصص للأحياء. لم تكن هذه الأيام مجرد احتجاز، بل كانت رحلة في غياهب الموت البطيء، حيث يُسحب الجسد للتحقيق ثم يُعاد إلى الصندوق ليظل "صالحاً" لجولة جديدة من التنكيل. كان الطعام يأتيه عبر أنبوب رفيع، لا ليسد رمقه، بل ليبقيه على قيد الحياة حتى يستكمل الجلاد مهمته.
رفض عماد الإغراءات المادية والمشاريع التجارية التي عُرضت عليه مقابل خيانة مبادئه، فكان الرد هو الحرب النفسية الشعواء. أُوهم بمقتل عائلته في غزة، ليغرق في يأسٍ مطبق، حتى بات الخروج من الأسر يبدو بلا معنى. ورغم تحرره، لا يزال عماد يسكنه ذلك التابوت، تطارده التشنجات وتلازمه ذكريات الأيام السود.
عادل صبيح: عندما يُجبر الضحية على بتر أطرافه
لم تكن جدران مستشفى الشفاء حصناً لعادل صبيح، الذي اعتُقل وهو ينتظر جراحة لتثبيت كسر في فخذه. نُقل عادل فوق المدرعات كدرع بشري، وسُحل على الركام حتى فقد الإحساس بساقه. وفي مستشفى "سوروكا"، وُضع أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التوقيع على قرار بتر ساقه، أو الموت دون علاج.
خضع عادل لما يشبه "التجارب الطبية"، حيث أُجريت له عشرات العمليات في ظروف تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية. ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل استخدم والده المعتقل معه أداة للابتزاز النفسي، في مشهد يجسد ذروة التجريد من الإنسانية.
سدي تيمان والنقب: استباحة الجسد وإهمال الروح
في معسكر "سدي تيمان"، تروي شهادة الأسير "علي" فصلاً آخر من فصول الاستهداف المباشر للكرامة. تعرض علي لضرب مبرح بالهراوات في مناطق حساسة من جسده، مما أدى إلى إصابات بليغة وتورمات منعته من الحركة أو النوم، وسط تجاهل طبي تام. أما في سجن النقب، فقد تحول الإهمال إلى مشهد بدائي مؤلم، حيث اضطر الأسرى لاستخدام حديد محمى بالنار لفتح الدمامل التي غزت أجسادهم في غياب الأدوية والمعقمات.
أرقام وحقائق من واقع المعاناة
- 15 يوماً: المدة التي قضاها عماد أبو نبهان حبيساً داخل "التابوت".
- 26 عملية جراحية: عدد التدخلات التي وُصفت بـ "التجارب" وخضع لها عادل صبيح خلال 54 يوماً.
- 30 جندياً: القوة التي اقتحمت قسم الأسير "علي" لاختيار ضحايا التنكيل العشوائي.
- صفر معايير: غياب الرعاية الطبية في سجن النقب مما اضطر الأسرى للجراحة البدائية.
خاتمة: صمودٌ يورق من رحم الرماد
إن حكايا هؤلاء الأسرى ليست مجرد توثيق لجرائم حرب، بل هي شهادة على قدرة الروح الإنسانية على الصمود في وجه آلات الطحن البشرية. يبقى الجسد الفلسطيني، رغم البتر والندوب وعتمة التوابيت، شاهداً حياً على قضية لا تموت، وحقيقة لا تطمسها جدران السجون ولا سياط السجانين. إن الوجع الذي يسكن عادل وعماد وعلي هو ذاته الوجع الذي سيتحول يوماً إلى منارة للعدالة التي لا بد أن تتحقق.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً