تجليات المقاصد الشرعية في فضاء ثنائية الدين والإنسان: رؤية في فلسفة الوجود والتشريع

تجليات المقاصد الشرعية في فضاء ثنائية الدين والإنسان: رؤية في فلسفة الوجود والتشريع

مقدمة: في رحاب المقاصد السامية

إن المتأمل في جوهر الشريعة الإسلامية الغراء، يدرك أن المقاصد الشرعية ليست مجرد قواعد جافة، بل هي روح سارية في جسد الأحكام، تتوخى في منتهاها غايتين عظيمتين تشكلان قطب الرحى في الوجود: الدين والإنسان. فهما بمثابة القواعد الفوق دستورية التي لا يحدها حصر، ولا يقيدها جمود، بل تنبثق منهما مقاصد عامة وضرورية تتسع باتساع آفاق الحياة وتجدد أحوال البشر.

ثنائية الثبات والتحول في بنية المقاصد

إن الإنسان في المنظور الإسلامي كائن حركي، متجدد النشاط، متغير البيئة، لا يقر له قرار في موضع واحد. وفي المقابل، نجد أن الدين، وإن اشتمل على أصول قطعية وثوابت يقينية لا يطالها التبديل ولا يجوز فيها التأويل -كأركان الإسلام الخمسة وما عُلم من الدين بالضرورة- إلا أن ظروف ممارستها قد تكتنفها النوازل وتعتريها المتغيرات.

هذا التغير لا يمس جوهر العقيدة ولا الفروض المنضبطة بنصوصها، بل يتوجه إلى الظروف الخارجية والممارسات العملية في شقيها الأخلاقي والمعاملاتي. ومن هنا، تبرز مرونة الأحكام الجزئية والفرعية التي تتعدد بتعدد المقاصد وتتكشف بجلاء مع تعاقب العصور.

تداخل المقاصد: وحدة الغاية وتعدد الوسائل

لقد درج العلماء على حصر المقاصد في خمس كليات أصلية، إلا أن الواقع المعاصر يفرض علينا ملاحظة أمرين جوهريين:

  • التآزر المقاصدي: إن كل مقصد من المقاصد الشرعية، حين يحقق غرضه الأساسي، فإنه يصب حتماً في خدمة الغايات الأخرى. وهذا يعود للطبيعة الثنائية للعقيدة الإسلامية؛ فهي عقيدة روح ومادة، ودين ومعاملة، ودنيا وآخرة.
  • التلازم الوجودي: إن حفظ الدين يستلزم بالضرورة حفظ النفس، فالدين لا يُقام إلا بنفوس حية فاعلة، والنفس لا تُصان كرامتها إلا بسياج الدين. وكذلك حفظ النسل والمال، فكلها روافد تصب في مجرى واحد يضمن استقامة الحياة الإنسانية.

نحو آفاق أرحب: المقاصد المستحدثة وضرورات العصر

لا يمكن حصر المقاصد حصرًا نهائيًا؛ فهي قابلة للإضافة والتجديد لمواكبة حركة الإنسان الفاعل. ومن هنا، ذهب ثلة من أهل العلم إلى إضافة مقاصد جليلة تفرضها طبيعة العصر، ومن أبرزها:

أولاً: الحفاظ على الوطن والكيان الجامع

لقد أضحى الحفاظ على الوطن مقصداً شرعياً لا غنى عنه، ففي ظله تُقام الشعائر وتُحفظ الثغور. وقد جاء الإسلام صريحاً في قوله عز وجل: { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ } (الحجرات: 9). فإذا كان قتال البغاة من المؤمنين واجباً للإصلاح، فقتال المعتدين على الأوطان من باب أولى.

ولا يقتصر الأمر على حماية الدين فحسب، بل حماية المقدرات والثروات، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" [صحيح مسلم حديث رقم 140].

ثانياً: حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية

في ظل تعقد الأنظمة السياسية، برزت الحاجة لاعتبار حقوق الإنسان في التعبير، والتعليم، والصحة، والعمل السياسي مقاصد شرعية تكفلها الدولة. إن هذه الحقوق هي التي تضمن عمارة الأرض وتحقيق غاية الخلافة.

مرونة المقاصد في التطبيق العملي

إن المقاصد التكميلية (الحاجية والتحسينية) تمنح الشريعة مرونة فائقة. فإذا كان النهي عن الزنا لحفظ النسل، فإن النهي عن كل ما يثير الغرائز من صور مستحدثة يعد تحسيناً لهذا المقصد. وفي باب العبادات، نجد أن إخراج زكاة الفطر مالاً بدلاً من الأقوات عند المصلحة، أو وجوب التعليم لحفظ العقل، كلها تطبيقات معاصرة تبرهن على حيوية المقاصد الشرعية.

الخاتمة: غاية الوجود وعمارة الأرض

خلاصة القول، إن الإنسان لم يُخلق إلا ليعبد الله سبحانه وتعالى، وهي الغاية الأسمى التي لا تتحقق إلا بدين قويم وإنسان مكرم. إن كل ما يحفظ إنسانية الإنسان بكيانها المادي والمعنوي يندرج في سلك الضروريات الشرعية. فالحياة لا تقوم بغير إنسان، ولا تستقيم بغير دين، وهما طرفا معادلة الوجود التي لخصها قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } (الذاريات: 56-57).

اللهم فقهنا في مقاصد شرعك، واجعلنا ممن يستعملون عقولهم في عمارة أرضك بما يرضيك، ويحفظ كرامة خلقك، إنك سميع مجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *