تربية الأبناء بين فضاءات التنظير ومكابدة الواقع: رؤية تربوية رصينة

تربية الأبناء بين فضاءات التنظير ومكابدة الواقع: رؤية تربوية رصينة

تربية الأبناء بين فضاءات التنظير ومكابدة الواقع: رؤية تربوية رصينة

إن المتأمل في شؤون تربية الأبناء يدرك يقيناً أن بين سطور الكتب الممنهجة وبين ضجيج الواقع العملي بوناً شاسعاً، ومفازةً لا يقطعها إلا من خاض غمار التجربة بمكابدتها وصبرها. فكثيراً ما تزيّن لنا الأفكار المجردة صوراً مثالية للوالدية، حتى إذا ما نزل المرء إلى ميدان التربية، وجد نفسه أمام كائنات بشرية عصية على القولبة، تفتقر إلى ما هو أبعد من مجرد التنظير البارد.

معضلة التنظير في غياب التجربة

يُروى عن الفيلسوف الفرنسي "روسو" قولاً بليغاً في دلالته، وإن كان في نسبته إليه نظرٌ تاريخي: "قبل أن أتزوج، كان لدي ست نظريات في تربية الأطفال. أما الآن فعندي ستة أطفال وليس عندي نظريات لهم!". إن هذه المقولة، وإن صيغت بلسان الطرافة، إلا أنها تضع اليد على جرح الحقيقة؛ فالتنظير في معزل عن الواقع هو ضرب من الترف الفكري الذي يسهل فيه بذل التوصيات والإرشادات، طالما أن المنظّر لم يواجه بعدُ تعقيدات النفس البشرية في أطوار نموها.

وغالباً ما نجد أن أولئك الذين يغدقون في الوعظ التربوي، ويستعرضون عضلاتهم الفكرية في كيفية تقويم السلوك، هم إما ممن لم يرزقوا بالذرية بعد، أو أن أبناءهم لا يزالون في مقتبل العمر حيث تسود الطاعة الفطرية قبل بزوغ فجر الاستقلال والتمرد.

الإنسان: كائن متفرد لا يخضع للقوالب الجامدة

ثمة فارق جوهري بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية؛ فبينما يمكنك صياغة قوانين ثابتة في الفيزياء والكيمياء تتعامل مع مادة صماء تخضع للتجربة المخبرية، نجد أن تربية الأبناء تتعامل مع روحٍ ونفسٍ ومزاجٍ متقلب. إن البشر يتباينون في طبائعهم وتكوينهم النفسي تبايناً يجعل من تطبيق نظرية واحدة على الجميع أمراً محالاً.

لماذا تفشل النظريات الجاهزة؟

  • اختلاف الأمزجة: ما يصلح لطفل هادئ الطباع قد يكون وقوداً لعناد طفل آخر.
  • تغير الأحوال: النفس البشرية تتشكل باستمرار، والوسيلة التي أجدت نفعاً بالأمس قد تغدو عديمة الأثر غداً.
  • الذكاء الفطري: الأبناء كائنات ذكية تدرك بحدسها محاولات التوجيه الممنهج، وتسعى دوماً للتحرر من قيود الوصاية.

حين تصطدم الأوهام بجدار الواقع

قبل خوض غمار الوالدية، قد يغتر المرء بكتب التربية الحديثة، ويظنها مفاتيح سحرية لإنتاج جيل مثالي يأتمر بأمره. بل قد يعجب من شكين الآباء وأنين المعلمين، متسائلاً في نفسه: "لمَ لا يطبق هؤلاء تلك القواعد الذهبية المدونة في بطون الكتب؟!".

لكن الإجابة لا تأتي إلا بالمعاينة؛ فحين يبلغ الأبناء سن الرشد أو يقتربون من سن التحرر، تتبخر تلك النظريات وتتلاشى الأوهام أمام سيل التحديات اليومية. عندها فقط، يدرك المربي أنه لا يملك من أمره إلا بذل السبب، مع اليقين بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

الملاذ الآمن: الاستنصار بالخالق

إن الحكمة تقتضي من المربي أن يستفيد من خبرات من سبقوه، وأن يزاوج بين العلم والعمل، لكن قبل ذلك وبعده، عليه أن يعلم أن الهداية منة من الله سبحانه وتعالى. لذا، وجب على كل أب وأم أن يلهج لسانهم بالذكر والدعاء، مستمسكين بالهدي القرآني في طلب الصلاح للذرية.

الدروس المستفادة للمربي اللبيب:

  1. التواضع عند التنظير، فواقع التربية أشد تعقيداً من المتخيل.
  2. مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء وعدم قسرهم على قالب واحد.
  3. الاستثمار في القدوة العملية أكثر من الوعظ النظري.
  4. الإلحاح على الله عز وجل بالدعاء، فهو خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

ختاماً، إن خير ما نختم به هذا البيان هو التضرع إلى الله سبحانه وتعالى بما تضمنه محكم التنزيل، ليكون نبراساً لكل مربٍّ يسعى لصلاح ذريته: { رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء} (إبراهيم: 40). نسأل الله عز وجل أن يصلح لنا ولكم الذرية، وأن يجعلهم قرة عين في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *