مقدمة: مفارقة القوام والنكهة في الأطعمة المقلية
تُعد الأطعمة المقلية، وخاصة البطاطس، من أكثر الوجبات تفضيلاً حول العالم، إلا أنها تظل محل انتقاد واسع من المنظور الصحي. فالمحتوى العالي من الدهون والزيوت يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض العصر مثل السمنة وارتفاع ضغط الدم. تكمن التحديات العلمية دائماً في كيفية تقليل محتوى الزيت دون التضحية بالخصائص الحسية التي ينشدها المستهلك، وهي القرمشة والنكهة المميزة. وفي هذا السياق، تبرز دراسة جديدة من جامعة إلينوي إربانا-شامبين لتقدم حلاً تقنياً يعتمد على مبادئ الفيزياء وهندسة الأغذية لإعادة صياغة عملية القلي بشكل جذري.
منهجية البحث: فهم آليات انتقال الكتلة والضغط
قاد البروفيسور باوان سينغ تاكار، أستاذ هندسة الأغذية، فريقاً بحثياً لدراسة كيفية تأثير موجات المايكروويف على التفاعلات الداخلية للمادة الغذائية أثناء القلي. في الدراسة التي أجريت بالتعاون مع جامعة ولاية واشنطن، تم استخدام مقلاة مايكروويف مصممة خصيصاً تعمل بترددين: 2.45 جيجاهرتز و5.8 جيجاهرتز. خضعت عينات البطاطس لعمليات غسل وتقشير وسلق مسبق، ثم قُليت في زيت الصويا عند درجة حرارة 180 مئوية.
اعتمد الباحثون على قياسات دقيقة لدرجة الحرارة، الضغط الداخلي، الرطوبة، وامتصاص الزيت. وتوصلوا إلى أن العملية التقليدية تعتمد على “الضغط السلبي”؛ ففي بداية القلي، تمتلئ مسام البطاطس بالماء الذي يمنع دخول الزيت، ومع تبخر الماء، تنشأ فراغات تولد ضغطاً سلبياً يشبه “الشفط”، مما يسحب الزيت إلى الداخل. وهنا يأتي دور المايكروويف لتغيير هذه الديناميكية.
الأهمية العلمية: المايكروويف كحاجز فيزيائي ضد الزيوت
تكمن العبقرية العلمية لهذا الابتكار في تغيير اتجاه تسخين المادة. في القلي التقليدي، تنتقل الحرارة من الخارج إلى الداخل، مما يسرع جفاف السطح وتكون المسام الجاذبة للزيت. أما المايكروويف، فيقوم بتسخين المادة من الداخل إلى الخارج عبر اهتزاز جزيئات الماء، مما يؤدي إلى تكوين بخار مستمر يحافظ على “ضغط إيجابي” داخلي لفترة أطول.
هذا الضغط الإيجابي يعمل كقوة دافعة تمنع الزيت من التغلغل داخل أنسجة البطاطس. ومن خلال النمذجة الرياضية المتطورة، أثبت الفريق أن القلي الهجين يقلل بشكل ملحوظ من الوقت اللازم للطهي ومن كمية الزيت الممتصة. ومع ذلك، لاحظ الباحثون أن المايكروويف وحده ينتج طعاماً ليناً (Soggy)، لذا فإن الدمج بين التسخين التقليدي (لضمان القشرة المقرمشة) والمايكروويف (لخفض الزيت) هو الصيغة المثالية للنجاح.
التأثيرات المستقبلية والتطبيقات الصناعية
تمثل نتائج هذه الدراسة، المنشورة في دوريتي Journal of Food Science وCurrent Research in Food Science، خارطة طريق لمستقبل صناعة الأغذية. يشير الباحثون إلى أن المقالي الصناعية الحالية يمكن تحديثها بسهولة عبر إضافة مولدات مايكروويف منخفضة التكلفة، مما يجعل هذا الابتكار قابلاً للتطبيق على نطاق واسع في المصانع الكبرى.
إن الانتقال من القلي التقليدي إلى القلي الهجين لا يوفر فقط منتجات صحية للمستهلكين، بل يقلل أيضاً من استهلاك الطاقة وهدر الزيوت في العمليات الإنتاجية. ومع تزايد الوعي الصحي العالمي، قد تصبح هذه التقنية هي المعيار الجديد لإنتاج الوجبات الخفيفة التي تجمع بين المذاق التقليدي والمتطلبات الصحية الحديثة.
المصدر العلمي: ScienceDaily



اترك تعليقاً