حصن العفاف: قراءة فكرية في ظاهرة العزوف عن الزواج.. الأسباب والمآلات والحلول الشرعية

حصن العفاف: قراءة فكرية في ظاهرة العزوف عن الزواج.. الأسباب والمآلات والحلول الشرعية

حصن العفاف: قراءة فكرية في ظاهرة العزوف عن الزواج.. الأسباب والمآلات والحلول الشرعية

إنَّ مِن أعظمِ النِّعمِ التي امتنَّ اللهُ سبحانه وتعالى بها على عبادِه أن شرعَ لهم من النكاحِ ما بهِ تعفُّ النفوسُ، وتستقرُّ القلوبُ، وتُبنى الصروحُ الاجتماعيةُ على أسسٍ من الطهرِ والفضيلةِ. بيدَ أنَّ المتأملَ في واقعِنا المعاصرِ يلحظُ بأسىً ظاهرةً غريبةً بدأت تضربُ أطنابَها في مجتمعاتِنا، ألا وهي ظاهرة العزوف عن الزواج بين الفتياتِ والشبابِ؛ وهو أمرٌ دخيلٌ لا يستقيمُ مع هديِ دينِنا الحنيفِ الذي جعلَ الزواجَ سبيلاً لإتمامِ الدينِ وإعفافِ النفسِ، ومحضناً للسكينةِ بعيداً عن مواطنِ الفتنِ والتبتلِ المنهيِّ عنه.

أولاً: الجذور الفكرية والاجتماعية لظاهرة العزوف

إنَّ هذه الظاهرةَ لم تكن وليدةَ الصدفةِ، بل هي نتاجُ عواملَ متداخلةٍ أفسدت الفطرةَ وزعزعت الثوابتَ، ومن أبرزِها:

1. طغيان الفكر النسوي والعلماني

لقد نفثت الحركاتُ النسويةُ سمومَها في عقولِ الجيلِ الجديدِ، مصورةً الزواجَ كقيدٍ، والتبعيةَ للرجلِ كعبوديةٍ، مما جعلَ البحثَ عن الزوجةِ الصالحةِ المطيعةِ لربِّها ثم لزوجِها أمراً يكتنفهُ العناءُ. إنَّ الإسلامَ قد كرمَ المرأةَ وأعطاها من الحقوقِ ما لم تمنحها إياه العلمانيةُ، وحينَ جعلَ قرارَها في البيتِ أصلاً، فذلك لصيانتِها وتخفيفِ الأعباءِ عنها، لا انتقاصاً من قدرِها. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (الدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكرَ اللهِ وما والاه، وعالِمًا أو متعلمًا).

2. الإعلام الفاسد ووهْمُ الفاقةِ

ساهمَ الإعلامُ المضلِّلُ في تزهيدِ الشبابِ في الزواجِ عبرَ تصويرِ المسؤوليةِ كعبءٍ ثقيلٍ، والتحذيرِ من كثرةِ الأبناءِ خشيةَ الفقرِ، وهذا من ضعفِ التوكلِ على اللهِ عز وجل. قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) [سورة الإسراء: 31].

3. فتنة الاختلاط وسهولة الحرام

مع انتشارِ وسائلِ التواصلِ وخروجِ المرأةِ للعملِ في بيئاتٍ مختلطةٍ، تيسرَ الحرامُ وضعفَ الوازعُ الدينيُّ، مما جعلَ البعضَ يستغني بالعلاقاتِ المحرمةِ عن الحلالِ المباركِ. قال سبحانه وتعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [سورة الأحزاب: 53].

ثانياً: في مديح النكاح.. لماذا نتزوج؟

إنَّ الزواجَ ليس مجردَ عقدٍ مدنيٍّ، بل هو ميثاقٌ غليظٌ وعبادةٌ جليلةٌ، ومن فوائدِه:

  • الاستنان بهدي الأنبياء: قال صلى الله عليه وسلم: (فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي) في حديثِ الرهطِ الذين أرادوا اعتزالَ النساء.
  • تحقيق السكينة والمودة: قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة الروم: 21].
  • تحصين الفرج وغض البصر: قال صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ).
  • البركة في الرزق: قال عز وجل: (إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [سورة النور: 32].

ثالثاً: معوقات واقعية وحلول شرعية

  • غلاء المهور: ينبغي تيسيرُ المهورِ لقولِه صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِن يُمنِ المَرأةِ تَيسيرَ خِطبَتِها، وتَيسيرَ صَداقِها).
  • عمل المرأة: إذا كان العملُ ضرورةً، فيجبُ أن ينضبطَ بالضوابطِ الشرعيةِ بعيداً عن التبرجِ والاختلاطِ، مع إعطاءِ الأولويةِ لبيتِها وزوجِها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَتْ فرجَها، أطاعَت زوجَها، قيلَ لها: ادخُلي الجنَّةَ مِن أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئتِ).
  • الخوف من الفشل: العلاجُ هو الصبرُ والتغافلُ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقامَةَ الضِلَعِ تكْسِرُهَا، فدارِها تَعِشْ بِها).

خاتمة الحكمة

إنَّ الزواجَ هو الحصنُ الحصينُ الذي يحمي شبابَنا من رياحِ الفتنِ العاتيةِ، وهو السبيلُ الوحيدُ لعمارةِ الأرضِ بالنسلِ الصالحِ. فعلى الآباءِ أن يتقوا اللهَ في تيسيرِ الحلالِ، وعلى الشبابِ أن يقبلوا على الزواجِ بنيةِ العفافِ والتوكلِ على اللهِ، فمن اتقى اللهَ جعلَ له مخرجاً ورزقَه من حيثُ لا يحتسبُ.

اللهمَّ أعفَّ شبابَنا وبناتِنا، واجعل بيوتَ المسلمينَ منازلَ للسكينةِ والتقوى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *