حكمت الهجري وإعلان السيادة: جبل بشان في مواجهة المركزية السورية
هل يمكن للجبال أن تنطق بكلمة الفصل حين تصمت لغة الدبلوماسية؟ في قلب السويداء، أطلق الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، صرخةً مدويةً أعادت رسم خارطة التوازنات السياسية في الجنوب السوري، معلناً أن جبل بشان قد اختار طريقه الذي لا رجعة فيه نحو تقرير المصير، بعيداً عن عباءة دمشق.
ميثاق الكرامة: انفصال لا يقبل المقايضة
تحدث الشيخ حكمت الهجري بلغة واثقة، تفيض بعنفوان الانتماء للأرض، مؤكداً أن خيار الإدارة الذاتية لجبل بشان صار واقعاً سياسياً واجتماعياً يتجاوز حدود المناورة. هذا التوجه يمثل استحقاقاً تاريخياً لأهل المنطقة، حيث شدد على النقاط الجوهرية التالية:
- تقرير المصير: حق إنساني وقانوني ثابت، لا يخضع للمساومات السياسية أو الولاءات المشروطة.
- سيادة أهل الجبل: لا ولاية ولا قيادة على هذه الأرض إلا لمن يختاره أبناؤها بملء إرادتهم.
- القطيعة مع دمشق: وصف الهجري التعايش مع الجماعات الحاكمة في دمشق بأنه بات "مستحيلاً"، نظراً للوقائع التي أثبتت استحالة الاستمرار في ظل المنظومة الحالية.
المرجعية الدولية ومطالب المحاسبة
لم يكتفِ الهجري بالتشخيص المحلي، بل نقل الملف إلى أروقة القانون الدولي، مطالباً بمحاكمة الحكومة السورية التي وصفها بـ "الحكومة الإرهابية". ويرتكز هذا المطلب على ضرورة محاسبة المنظومة على خروقاتها وجرائمها الموثقة. وتتجسد الرؤية القانونية للمرحلة المقبلة في:
- هدنة يوليو/تموز 2025: إلزام الأطراف المعتدية بتنفيذ الحل الدولي المقرر في هذه الهدنة.
- ملف المغيبين: الكشف الفوري عن مصير المختطفين والمغيبين قسراً كشرط أساسي للاستقرار.
- تحرير الأرض: استعادة القرى والبلدات الدرزية من أي تسلط خارجي.
تحالفات الضرورة والشكر المثير للجدل
في خطوة تعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي، وجه حكمت الهجري شكره للقوى الدولية التي وصفها بـ "الضامنة" لترسيخ الإدارة الدرزية كواقع مستقر. ولم يخلُ خطابه من صراحة سياسية لافتة حين خص بالشكر الدول والمنظمات الداعمة، وصولاً إلى ذكر إسرائيل "حكومة وشعباً"، وهو ما يعكس رغبة في تأمين غطاء دولي وإقليمي لمشروع الإدارة الذاتية الناشئ.
إن هذا التوجه يمثل محاولة لكسر طوق العزلة، والبحث عن حلفاء قادرين على موازنة الضغوط التي تمارسها قوى الأمر الواقع، والتي وصف الهجري محاولاتها لفرض الوصاية بأنها "محاولات مكشوفة" تعتمد التضليل والإكراه.
الصمود في وجه سياسات التجويع
داخلياً، يواجه جبل بشان منظومة ضغوط معقدة تشبه الحصار المطبق. وبأسلوبه الأدبي الرصين، وصف الهجري هذه الضغوط بأنها "غزو إداري" و"تجويع ممنهج". ومع ذلك، تظل الرهانات معقودة على:
- الوعي المجتمعي: تماسك البنيان الأهلي كدرع واقٍ ضد التفكك.
- العمل المؤسساتي: بناء مؤسسات محلية قادرة على إدارة شؤون المواطنين بعيداً عن البيروقراطية المركزية.
- وحدة الصف: تكامل الجهود بين جميع أبناء الجبل لضمان المصلحة العامة.
خاتمة: فجر جديد فوق القمم
إن ما أعلنه الشيخ حكمت الهجري ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو إعلان عن ولادة هوية إدارية جديدة تنشد الحرية والكرامة. فالتاريخ يخبرنا أن إرادة الشعوب حين تلتف حول قادتها المخلصين، تصبح كصخور جبل بشان؛ صلبة لا تفتتها الرياح، وعالية لا تطالها يد الوصاية. يبقى المستقبل رهيناً بقدرة هذا المجتمع على تحويل الكلمات إلى مؤسسات، والأحلام إلى واقع سيادي مستدام.



اترك تعليقاً