حين ترتبك الحسابات وتنكشف القلاع: أزمة الأمن في مونديال 2026

حين ترتبك الحسابات وتنكشف القلاع: أزمة الأمن في مونديال 2026

هل يستقيم عرسٌ كرويٌ عالمي والبيوت التي تحميه منقسمة على نفسها؟ في وقت تشرئب فيه أعناق الملايين نحو مونديال 2026، يبرز تساؤلٌ حارقٌ حول قدرة القوة العظمى على تأمين هذا المحفل في ظل تجاذبات السياسة التي أرهقت ميزانية الأمن، ووضعت سلامة الملاعب والجماهير في كفة، والمناكفات الحزبية في كفة أخرى.

رياح السياسة في أشرعة الرياضة

لطالما كانت الرياضة ميداناً للوحدة، لكنها اليوم تجد نفسها رهينةً لرواق السياسة المظلم في واشنطن. لقد كشف كريستوفر تومني، المسؤول في وزارة الأمن الداخلي، أمام مجلس الشيوخ عن حقيقة مُرة؛ وهي أن الإغلاق الحكومي المستمر لم يكن مجرد توقف إداري، بل كان معولاً هدم الكثير من لبنات التخطيط والتنسيق الأمني لبطولة كأس العالم. إن التخطيط للأحداث الكبرى لا يحتمل الفراغ، والزمن الذي ضاع في أروقة الكونجرس لا يمكن استعادته بقرار إداري متأخر.

لقد أدى انقضاء المخصصات المالية وتسريح الموظفين مؤقتاً إلى إبطاء وتيرة الاستعدادات، وهو أمرٌ يثير القلق في ظل تقارير استخباراتية تشير إلى تربص عناصر إجرامية ومتطرفة بهذا الحدث العالمي الذي يجمع شعوب الأرض.

لغة الأرقام: حصاد التأخير والتمويل

بعيداً عن السرد النثري، تظل الأرقام هي الشاهد الأصدق على حجم التحدي الذي يواجه المنظمين، ويمكن تلخيص المشهد المالي والأمني في النقاط التالية:

  • 625 مليون دولار: هي القيمة الإجمالية للمخصصات الأمنية التي أفرجت عنها الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ (FEMA) مؤخراً.
  • شهران: هي المدة التي استغرقها إغلاق وزارة الأمن الداخلي نتيجة غياب التوافق السياسي حول تشريعات الهجرة.
  • 48 فريقاً: حجم البطولة الأضخم في التاريخ، والتي ستتوزع مبارياتها بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
  • نظام جو (GO): النظام الإلكتروني لإدارة المنح الذي عاد للعمل أخيراً لضخ الأموال في شرايين التجهيزات الأمنية.

استنزاف العقول: الثغرة التي لا يسدها المال

إن أخطر ما يواجه مونديال 2026 ليس نقص السيولة فحسب، بل هو نزيف الخبرات البشرية. فقد أشار المسؤولون بمرارة إلى رحيل المئات من ضباط أمن النقل ذوي الكفاءة العالية خلال فترة الإغلاق. المال قد يعود بقرار، ولكن الخبرة التراكمية التي غادرت المؤسسات الأمنية لا يمكن تعويضها بين عشية وضحاها.

هذا الفقد البشري أعاق التنسيق الحيوي مع السلطات المحلية وسلطات الولايات، وهو التنسيق الذي يمثل خط الدفاع الأول في تأمين ملاعب البطولة وممراتها الحيوية.

خاتمة: الأمن بوصفه عصب البهجة

في الختام، يظل الأمن هو الروح التي تسكن جسد الرياضة؛ فبدون شعور الطمأنينة تتحول المدرجات إلى ساحات للقلق بدلاً من أن تكون منابر للفرح. إن الإفراج عن الأموال خطوة ضرورية، لكنها تظل ناقصة ما لم تُرمم الثقة في استقرار المؤسسات الراعية للأمن. فالعالم لا ينتظر من القارة الشمالية أهدافاً في المرمى فحسب، بل ينتظر نموذجاً في الإدارة يحمي الإنسان قبل أن يحتفي بالكرة.


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *