خريف العمائم وظل البنادق: قراءة في خفايا السلطة داخل النظام الإيراني

خريف العمائم وظل البنادق: قراءة في خفايا السلطة داخل النظام الإيراني

هل يغير الذئب جلده أم تنحني الهامة للعاصفة؟

هل يمكن للأنظمة الاستبدادية أن تتبدل طباعها بمجرد تبدل وجوهها، أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة تدوير لسراب قديم؟ يطل علينا النظام الإيراني اليوم من نافذة تقارير صحفية دولية، ترسم ملامح مرحلة جديدة يُزعم فيها أن موازين القوى تميل من كفة رجال الدين إلى قبضة العسكر. بيد أن القراءة المتأنية في تاريخ هذه الدولة، الممتد عبر خمسة وأربعين عاماً، تكشف لنا حقيقة مغايرة تماماً؛ فما نراه ليس تحولاً في العقيدة، بل هو اضطرار تفرضه لغة القوة وضيق الخيارات.

سراب التحول ورسائل "الدراجات النارية"

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً تفاصيل تثير الريبة حول هيكل القيادة الجديد، مستندة إلى مصادر من داخل أروقة الحكم في طهران. يصور التقرير "مجتبى خامنئي" كقائد يتواصل عبر ملاحظات مكتوبة ينقلها سائقو دراجات نارية، متجنباً الظهور المرئي خشية بدو الضعف بسبب إصابته.

هذه الصورة، التي تروجها مصادر مجهولة، تخدم غاية واحدة: إظهار القائد الجديد في مظهر الذهن الحاضر والقيادة الفعالة رغم المحن. إنها محاولة لترميم صورة السلطة أمام الداخل والخارج، دون تقديم وثيقة طبية واحدة أو سجل مستقل يثبت هذه المزاعم. إن الاعتماد على روايات أشخاص لهم مصلحة مباشرة في بقاء النظام يجعل من هذا التقرير مادة دعائية أكثر منه كشفاً صحفياً.

وهم الانقسام بين "الديني" و"العسكري"

يروج البعض لفكرة أن السلطة في طهران انتقلت إلى "جيش متشدد" على حساب نفوذ رجال الدين. هذا الطرح يغفل حقيقة بنيوية في النظام الإيراني؛ وهي أن المؤسسة الدينية والحرس الثوري هما وجهان لعملة واحدة، وشريكان في مشروع لم تتغير غاياته منذ عقود.

لقد قاد آية الله علي خامنئي البلاد لمدة 35 عاماً، ولم يكن رجل دين بالمعنى التقليدي المنكفئ، بل كان المهندس الأول للمشروع العسكري الإيراني. إليكم بعض الحقائق التي ترسم ملامح تلك الحقبة:

  • 35 عاماً من دفع البرنامج النووي إلى حافة التسلح.
  • تأسيس شبكة وكلاء إقليمية زعزعت استقرار المنطقة لعقود.
  • بناء ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
  • قمع دموي للحركات الاحتجاجية، لا سيما في عامي 2009 و2022.

إن وصف الوضع الراهن بأنه تحول نحو التشدد العسكري هو تحريف للتاريخ؛ فالنظام كان عسكرياً بامتياز تحت عباءة الدين منذ لحظاته الأولى.

منطق القوة وطاولة المفاوضات

عندما يتحدث الساسة عن إمكانية كون القادة الجدد أكثر "عقلانية"، فهم لا يراهنون على حسن نوايا طهران، بل يدركون أن الإجراءات العسكرية غير المسبوقة قد ألجأت النظام إلى زاوية ضيقة. العقلانية هنا ليست فضيلة أخلاقية، بل هي نتيجة حتمية لتقلص الخيارات.

إن التظاهر بأن الولايات المتحدة لم تكن في حالة حرب مع إيران قبل الضربات الأخيرة هو محض خيال. الحقيقة أن طهران شنت حرباً مستمرة عبر وكلائها وهجماتها على القوات الأمريكية لعقود. إن المواجهة الحاسمة اليوم هي رد متأخر على تهديد استمر في النمو والتغول لقرابة نصف قرن.

خاتمة: الحقيقة بين أروقة السياسة وواقع الميدان

في الختام، يظل النظام الإيراني وفياً لأهدافه الكبرى مهما تغيرت الوجوه أو تبدلت أساليب التواصل. إن السعي وراء سراب "الاعتدال" داخل أروقة الحكم في طهران هو رهان خاسر أثبتت الأيام زيفه. الحقيقة الوحيدة التي تفرض نفسها اليوم هي أن الضغط المستمر هو المحرك الوحيد للتغيير، وأن الشراكة بين العمامة والبزة العسكرية هي قدر هذا النظام الذي لن ينفك عنه إلا بزوال أسبابه. إن من ينتظر من المؤسسة الدينية أن تقود إيران نحو السلام، كمن ينتظر من السراب أن يروي عطش الظمآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *