هل تُصنع السياسة في أروقة الدبلوماسية أم في فواصل المباريات؟
تساؤلٌ يفرض نفسه حين نطالع كواليس المشهد السياسي في الولايات المتحدة؛ فهل تُرسم ملامح السيادة الدولية خلف الأبواب الموصدة فقط، أم أنها تُباع وتُشترى في فواصل البرامج الصباحية وبين هتافات جماهير كرة القدم؟ تكشف الوثائق الأخيرة أن التحالف الإسرائيلي الأمريكي ليس مجرد تفاهمات استراتيجية عليا، بل هو منتجٌ إعلامي يتم تسويقه بعناية فائقة في أزقة الولايات المتأرجحة، حيث تتدفق الأموال لتشكيل وعي الناخب الأمريكي وتوجيه بوصلته نحو قضايا بعيدة عن همومه اليومية، لكنها في صلب الأجندة الإقليمية للشرق الأوسط.
آيوا: مسرح العمليات الإعلانية الصامتة
في ولاية آيوا، حيث يشتد وطيس التنافس الانتخابي، رصدت سجلات هيئة الاتصالات الفدرالية (FCC) تحركات إعلانية محمومة تقودها الحكومة الإسرائيلية. هذه التحركات لم تكن عفوية، بل هي حملة هندسة اجتماعية تستهدف وجدان الناخب لترسيخ صورة إسرائيل كدرع واقية للقيم الأمريكية.
وتتجلى لغة الأرقام والحقائق في هذه الحملة عبر النقاط التالية:
- حجم الإنفاق المباشر: حجزت الحكومة الإسرائيلية 38 إعلاناً تلفزيونياً جديداً بقيمة إجمالية بلغت 38,875 دولاراً.
- التوقيت الاستراتيجي: يبدأ بث هذه الإعلانات في الأول من نوفمبر، أي قبل 48 ساعة فقط من انطلاق الاقتراع، ويمتد حتى نهاية الشهر.
- الفئة المستهدفة: ركزت الحملة على البالغين من عمر 35 عاماً فأكثر، وهم الكتلة التصويتية الأكثر تأثيراً واستقراراً.
- المنصات المختارة: وُزعت الإعلانات بذكاء بين نشرات الأخبار الرصينة ومباريات كرة القدم الجامعية، لضمان التغلغل في نسيج الحياة اليومية للأمريكيين.
صراع الأجنحة: بين المشروطية والدعم المطلق
تأتي هذه الحملة في خضم منافسة شرسة على مقعد مجلس الشيوخ بين النائبة الجمهورية "آشلي هينسون" والنائب الديمقراطي "جوش توريك". وهنا يظهر ذكاء الدعاية الإسرائيلية؛ فهي لا تدعو للتصويت لشخص بعينه -تجنباً للمساءلة القانونية- لكنها تضخ محتوىً يدعم رؤية هينسون التي تنادي بالتحالف المطلق، ويقوض طروحات توريك الذي يطالب بفرض شروط على المساعدات.
إنها سياسة "الإيحاء بدلاً من التصريح"، حيث يتم تصوير إسرائيل كخط الدفاع الأول عن الولايات المتحدة في مواجهة إيران، وهو تشبيه أدبي يحول الحليف السياسي إلى حارس حدود يحمي البيت الأمريكي من أخطار بعيدة.
وكلاء الظل وتداخل المصالح
لا تتوقف الحكاية عند حدود الشاشات، بل تمتد إلى "مطبخ" الحملات الانتخابية. كشفت سجلات وزارة العدل الأمريكية عن تداخل مثير للريبة بين العاملين في حملات مرشحين أمريكيين وشركات تعمل لصالح الحكومة الإسرائيلية.
- مشروع كلوك تاور إكس: شركة يقودها "براد بارسكيل"، مدير حملة ترمب السابق، تدير عمليات تواصل لصالح إسرائيل بميزانيات ضخمة.
- اختراق الحملات: تبين أن "أبيغيل رونسون" و"جيسي ستوكس"، وهما من الكوادر الأساسية في حملة المرشح الجمهوري "مايك روجرز"، مسجلان كوكلاء أجانب يعملون ضمن مشروع إسرائيلي لمكافحة معاداة السامية والترويج للتحالف.
- الميزانيات المليونية: أظهرت الوثائق اتفاقاً بين "كلوك تاور إكس" وشركة "هافاس ميديا ألمانيا" لخدمات إعلانية رقمية بقيمة 9 ملايين دولار موزعة على شهري نوفمبر وديسمبر.
القانون والسياسة: الرقص على حبال التشريع
يحظر القانون الفدرالي على القوى الأجنبية التدخل المباشر في الانتخابات، لكن القانون نفسه يفتح ثغرة واسعة تُسمى "إعلانات القضايا". فبينما يمنع تمويل هزيمة أو فوز مرشح، يسمح بتمويل الحديث عن "أهمية التحالف" أو "خطر إيران". وبذلك، يمر التحالف الإسرائيلي الأمريكي عبر هذه القنوات الشرعية ليؤثر في الوجدان السياسي دون أن يكسر زجاج القانون.
رؤية ختامية: حين تصبح السيادة وجهة نظر
إن ما نراه اليوم في ولاية آيوا وغيرها ليس مجرد حملة إعلانية عابرة، بل هو تجسيد لـ "القوة الناعمة" في أقسى صورها المادية. عندما تتماهى حدود المصالح الوطنية مع الرسائل الإعلامية الممولة أجنبياً، تصبح الديمقراطية أمام اختبار حقيقي. إن الحقيقة التي لا مرية فيها هي أن الكلمة والصورة باتتا أسلحة لا تقل شأناً عن العتاد العسكري، وفي صراع الإرادات هذا، يظل الوعي الشعبي هو الحصن الأخير أمام طوفان الدعاية الموجهة.



اترك تعليقاً