هل تضيق الزنزانة بمن يحمل في صدره اتساع الوطن؟
في السابع عشر من نيسان، تطل ذكرى يوم الأسير الفلسطيني لتوقظ في الوجدان قضية لا تقبل النسيان، وتفتح نوافذ الأمل لآلاف القابعين خلف القضبان. في غزة، حيث يختلط أزيز الرصاص بصيحات الحرية، لم تكن المسيرات مجرد تظاهرة عابرة، بل كانت زلزالاً شعبياً تحت شعار "خيارنا تحريرهم"؛ صرخة بوجه قوانين الإعدام التي يحاول الاحتلال فرضها كستار لضعفه أمام إرادة لا تنكسر.
غزة تنتفض ضد مقصلة التشريع
احتشدت الحشود أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حاملةً صوراً لأبطالٍ غيبتهم العتمة ولم تغب ذكراهم. هذه المسيرات التي نظمتها لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية، جاءت لتضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية. المطالب كانت واضحة وجلية: إسقاط قانون إعدام الأسرى، وكسر قيود العزلة، وضمان حق الأمهات والزوجات في رؤية ذويهم.
تحدثت زوجة الأسير محمد السلطان بلسان كل بيت فلسطيني، وهي تصف غياب زوجها لعامين ونصف العام كأنه دهر من الانتظار، مؤكدة أن حق أطفالها في حضن أبيهم هو قانون الطبيعة الذي لن تلغيه شرائع الاحتلال.
لغة الأرقام: حين تنطق الحقائق بوجع القيد
خلف الكلمات الأدبية، تقبع حقائق رقمية مرعبة توضح حجم الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر 2023:
- انفجار في أعداد الأسرى: ارتفع عدد المعتقلين بنسبة 83%، ليتجاوز حاجز الـ 9600 أسير حتى مطلع أبريل الجاري.
- الاعتقال الإداري: قفز عدد المعتقلين دون تهمة إلى أكثر من 3532 معتقلاً.
- استهداف النخبة: طالت الاعتقالات أطباء ومسعفين، وفي مقدمتهم الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان.
- النساء والأطفال: لا يزال الاحتلال يحتجز 86 أسيرة وقرابة 350 طفلاً في ظروف تفتقر لأدنى معايير الإنسانية.
- فاتورة الدم: ارتقى أكثر من 100 أسير شهداء داخل السجون منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة.
- حملات الضفة: شهدت الضفة الغربية وحدها أكثر من 23 ألف حالة اعتقال، شملت نساءً وأطفالاً وصحفيين.
تاريخٌ من الصمود وإرثٌ من التضامن
إن إحياء يوم الأسير الفلسطيني ليس وليد اللحظة، بل هو تقليد نضالي أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974. وقد تعزز هذا البعد عربياً في عام 2008 حين اعتمدت قمة دمشق هذا اليوم يوماً عربياً للتضامن مع الأسرى، في تأكيد على أن قضية الأسير الفلسطيني هي بوصلة الأحرار في كل مكان.
لقد تحول واقع السجون اليوم من سياسات احتجاز تقليدية إلى منظومة عنف شاملة تشمل التجويع والتعذيب والحرمان من العلاج، مما يجعل التحرك الدولي ضرورة لا تقبل التأجيل لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وفق القانون الدولي.
خاتمة: الفجر الذي يولد من رحم العتمة
إن القيد الذي يلتف حول معاصم الأحرار قد يدمي الجسد، لكنه أبداً لا يطال الروح التي تؤمن بأن الحرية حق ينتزع ولا يوهب. ستبقى قضية الأسرى هي الاختبار الحقيقي للضمير العالمي، وسيبقى شعار "خيارنا تحريرهم" عهداً تقطعه الأجيال حتى تشرق شمس الحرية على كل زنزانة، ويتحول الحلم باللقاء إلى واقع يعانق تراب الوطن.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً