تحركات دبلوماسية مكثفة: فيدان يقود الجهود التركية في مسار السلام
في إطار سعيها الدؤوب لإنهاء مأساة القرن في قطاع غزة، تواصل الدبلوماسية التركية بقيادة وزير الخارجية هاكان فيدان لعب دور محوري في هندسة الاتفاقات الدولية المعقدة. وفي تطور جديد يعكس إصرار أنقرة على تثبيت ركائز الاستقرار، شارك فيدان اليوم الاثنين في اجتماع دولي رفيع المستوى عبر تقنية “الفيديو كونفرانس”، خُصص لمناقشة الترتيبات الفنية والسياسية المتعلقة بالمرحلة الثانية من خطة السلام في غزة. ويأتي هذا التحرك استكمالاً لمسار دبلوماسي بدأ يأخذ طابعاً عملياً أكثر جدية منذ الاجتماع الموسع الذي استضافته مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025.
المصادر الدبلوماسية في وزارة الخارجية التركية أكدت أن هذا الاجتماع الافتراضي لم يكن مجرد بروتوكول عابر، بل كان جلسة عمل معمقة ضمت أطراف “الرباعي الدولي” المعني بالوساطة والتنفيذ، وهم مسؤولون رفيعو المستوى من الولايات المتحدة الأمريكية، وجمهورية مصر العربية، ودولة قطر، بالإضافة إلى تركيا. وتركزت المباحثات حول كيفية تجاوز العقبات الراهنة والانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي المرحلة التي يُنتظر منها أن تضع حداً نهائياً للأعمال العدائية وتبدأ في معالجة الملفات السياسية والإنسانية الشائكة.
من ميامي إلى الفضاء الرقمي: تسلسل زمني لمفاوضات الفرصة الأخيرة
لفهم أبعاد التحرك التركي الأخير، يجب العودة إلى الاجتماع المغلق الذي عُقد في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي في ميامي. ذلك الاجتماع الذي وُصف بـ “السري والمصيري”، وجمع رؤساء أجهزة استخبارات ووزراء خارجية الدول الأربع، وضع اللبنات الأولى لجدول زمني يهدف إلى انتشال المنطقة من دوامة العنف. وكان فيدان قد شدد خلال ذلك اللقاء على ضرورة وجود ضمانات دولية ملزمة تمنع أي طرف من التنصل من التزاماته، وهو الموقف الذي تتبناه أنقرة بقوة في المشاورات الجارية الآن.
ويشير الخبراء إلى أن العودة للتشاور عبر الإنترنت اليوم تعكس الرغبة في تسريع وتيرة العمل، حيث لم يعد الوقت في صالح المدنيين في غزة. وتناقش الأطراف حالياً بنوداً دقيقة تتعلق بآليات الانسحاب، وتبادل المحتجزين، وفتح المعابر بشكل دائم، وهي التفاصيل التي تشكل جوهر “المرحلة الثانية” من الخطة الدولية الطموحة التي تم الإعلان عنها في الربع الأخير من عام 2025.
خطة ترامب للسلام: بين طموح البنود العشرين وعقبة المماطلة الإسرائيلية
تستند هذه التحركات الدبلوماسية برمتها إلى المبادرة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 سبتمبر/أيلول 2025. تلك الخطة التي تألفت من 20 بنداً، صُممت لتكون مخرجاً نهائياً من الحرب التي عصفت بالمنطقة. وبالفعل، دخلت المرحلة الأولى منها حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وشهدت فترة وجيزة من تراجع حدة العمليات العسكرية، إلا أن التفاؤل الحذر الذي ساد آنذاك اصطدم بجدار من المماطلة الإسرائيلية.
وتشير التقارير الميدانية والسياسية إلى أن إسرائيل، ورغم الضغوط الدولية، تواصل خرق تفاهمات المرحلة الأولى وترفض تقديم جداول زمنية واضحة للانتقال إلى المرحلة الثانية. هذا التعنت هو ما دفع فيدان ونظراءه في القاهرة والدوحة وواشنطن إلى تكثيف الضغط الدبلوماسي. فالمرحلة الثانية ليست مجرد استمرار للهدنة، بل هي الجسر نحو الحل الدائم الذي يتضمن إعادة السيادة المدنية للقطاع وإنهاء الحصار بشكل كامل، وهو ما تراه الأوساط اليمينية في تل أبيب تهديداً لمشاريعها التوسعية.
فاتورة الدمار: إرث عامين من الإبادة وتحديات الإعمار الكبرى
لا يمكن قراءة هذه التحركات الدبلوماسية بمعزل عن المشهد الإنساني المأساوي الذي خلفته الحرب منذ اندلاعها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فعلى مدار عامين من العمليات العسكرية التي وصفتها تقارير دولية بـ “حرب الإبادة”، وبدعم عسكري وسياسي أمريكي مباشر في بداياتها، تحول قطاع غزة إلى ركام. الأرقام الصادرة مؤخراً مرعبة؛ حيث ارتقى أكثر من 71 ألف شهيد، وأُصيب ما يزيد عن 171 ألفاً آخرين، غالبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء الذين دفعوا ثمن الصراع من دمائهم وأطرافهم.
وعلى صعيد البنية التحتية، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية طالت نحو 90% من المنشآت المدنية، بما في ذلك المدارس، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء. وأمام هذا الواقع المأساوي، تبرز معضلة “إعادة الإعمار” كأحد أهم محاور نقاشات الوزير فيدان مع الشركاء الدوليين. فالتكلفة التقديرية لإعادة الحياة إلى القطاع وصلت إلى نحو 70 مليار دولار، وهو رقم ضخم يتطلب تكاتفاً دولياً غير مسبوق، وإرادة سياسية تضمن عدم تكرار التدمير مرة أخرى.
الرؤية التركية: استدامة السلام تتطلب عدالة التنفيذ
تدرك تركيا، من خلال انخراطها العميق في هذه التفاوضات، أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام هو الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي. بالنسبة للوزير هاكان فيدان، فإن الأمر لا يتعلق فقط بوقف صوت الرصاص، بل بفرض واقع سياسي جديد ينهي معاناة الشعب الفلسطيني. وتصر أنقرة في الاجتماعات الحالية على أن أي تلكؤ في تنفيذ بنود خطة ترامب الـ 20 سيعني الانهيار الكامل لعملية السلام والعودة إلى نقطة الصفر، وهو ما لا يمكن للمنطقة أن تتحمله.
إن التحرك التركي اليوم، وما سبقه من تنسيق في ميامي، يضع العالم أمام مسؤولياته. فبينما تماطل إسرائيل وتخرق الهدنات الهشة، تسابق الدبلوماسية الإقليمية والدولية الزمن لتثبيت المرحلة الثانية، لعلها تكون البوابة التي يخرج منها سكان غزة من جحيم عامين من الموت والدمار إلى فضاء البناء والاستقرار.
مصدر المعلومات الأساسية: TRT



اترك تعليقاً