لا ريب أن كل مسلم لبيب، جُبل على الفطرة السوية والبصيرة النافذة، يدرك أن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن مجرد انتقال مكاني عابر، بل كانت فيصلاً تاريخياً أعاد صياغة الوجود الإنساني، ومنعطفاً كبيراً في مسيرة الدعوة الإسلامية. ومع إشراقة كل عام هجري جديد، وفي ظلال شهر محرم الحرام، تتجدد في النفوس ذكرى هذا الحدث الجلل، لتنبثق منها دروس وعبر لا تنفد، تذكّر المؤمنين بما كابده سلفهم الصالح من ضروب الابتلاء وصنوف المعاناة في سبيل إعلاء كلمة الدين.
وفي هذا السياق، نستعرض هذه التأملات المستنيرة التي صاغها فضيلة الشيخ أسامة الخياط، حول هذا الحدث الذي غير وجه التاريخ.
الهجرة النبوية: انعطافة كبرى في تاريخ البشرية
إن الأحداث العظام في تاريخ الأمم تستوجب وقفات متأنية لاستلهام العبر واستخلاص الحكمة. وقد حفلت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقائع غيرت مجرى الزمان وأثرت في مصير البشرية تأثيراً عميقاً. وتأتي الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في طليعة هذه الأحداث؛ فبها تحقق للإسلام نصر مؤزر، وبدأت الدولة الإسلامية في إرساء دعائمها الراسخة، في حين تجرع المشركون مرارة الهزيمة والانكسار.
وتتعدد الدروس المستقاة من هذا الحدث، إلا أننا نسلط الضوء على جوهرين ثمينين يمثلان عماد الهجرة:
أولاً: العقيدة أسمى من الأوطان والمتاع
إن الإسلام في قلب المؤمن أثمن من الأرض التي يطؤها، والدار التي يسكنها، والمدينة التي درج فيها. هو أغلى من كل زخارف الدنيا ومتاعها الزائل. وقد تجلت هذه الحقيقة في أبهى صورها حينما غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، أحب البقاع إلى قلبه، وصحبه في هذه الرحلة المباركة أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وعند رحيله، وقف النبي صلى الله عليه وسلم يودع موطنه وعيناه تفيضان بالدمع، قائلاً كلمته الخالدة:
«واللهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أني أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ» — (رواه الترمذي)
لقد كانت مكة مسقط رأسه ومأرز طفولته وشبابه، لكنه صلى الله عليه وسلم فارقها ابتغاء مرضاة ربه عز وجل، وخدمة لدينه، ونشراً للهدى والإيمان، وتبليغاً لرسالته السماوية. لقد أزال الرسول صلى الله عليه وسلم كل العقبات التي حالت دون تبليغ الدعوة، ليمارس البشر حريتهم في الاختيار بين الهدى والضلال، عملاً بقوله سبحانه وتعالى:
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} — (سورة الكهف: 29)
اليقين بمعية الله ونصرة الحق
إن الدرس الثاني الذي تغرسه الهجرة في روع المسلم هو اليقين المطلق بأن الله سبحانه وتعالى مع عباده المخلصين، يكلؤهم برعايته ويحفهم بعنايته.
في الغار.. حيث تتجلى السكينة
لقد تجسد هذا اليقين الذي لا تزعزعه تهديدات الأعداء في موقف الغار؛ فحين اشتد الكرب وأطبق المشركون على مدخل الغار حتى صاروا قاب قوسين أو أدنى من كشفهما، قال أبو بكر رضي الله عنه بلسان الوجل على رسول الله:
«يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا».
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقلب مطمئن بذكر الله:
«يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»
وقد خلد القرآن الكريم هذا المشهد الإيماني العظيم في قوله عز وجل:
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} — (سورة التوبة: 40)
فأي تأييد أعظم من تأييد الله؟ وأي قوة تصمد أمام قدرته سبحانه؟ إن معية الله هي الحصن الحصين في مواجهة الابتلاءات، وهي الملاذ في الملمات.
شروط الاستحقاق للنصر الإلهي
بيد أن هذه المعية الخاصة، التي تقتضي النصر والحفظ، ليست هبة عشوائية، بل هي اصطفاء لعباد الله المتقين؛ أولئك الذين أخلصوا له العبادة، وحققوا التوحيد، وامتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي. فإذا أردنا استعادة مجدنا ومكانتنا، فعلينا بتمثل دروس الهجرة واقعاً معاشاً، مصداقاً لقوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} — (سورة النحل: 128)
المفهوم الشامل للهجرة
إن الهجرة في جوهرها لا تقتصر على الانتقال من أرض إلى أرض، بل هي هجرة معنوية دائمة تتمثل في اعتزال الآثام والإقبال على الطاعات. وكما جاء في الحديث الصحيح:
«المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه» — (رواه البخاري)
خاتمة:
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن استلهم من هجرة نبيه صلى الله عليه وسلم روح التضحية واليقين، وأن يوفقنا لهجر ما نهى عنه، وسلوك مسالك المتقين المحسنين، حتى تنزل علينا سكينته ويؤيدنا بنصره، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً