دماء علي حمادنة وشهادة الحق: حين تصطدم الرواية الممنهجة بصدق الفقد
هل يمكن للرواية الرسمية أن تواري سوأة الجريمة حين يكون الشاهد هو الدم المسفوح على تراب الوطن؟ يبرز اسم الشهيد علي حمادنة اليوم كعنوان لمأساة فلسطينية متجددة، لا تكتفي بسلب الروح، بل تحاول التلاعب بهوية القاتل في مسرح جريمة لا يزال ينبض بالألم. إن قضية علي حمادنة تمثل صراعاً وجودياً بين حقيقة يرويها أصحاب الأرض، ومحاولات تجميل القبح التي تمارسها أجهزة الاحتلال.
مسرح الجريمة: تزييف الحقائق في ميزان العائلة
في قلب المشهد المأساوي، تطل علينا تفاصيل استشهاد علي حمادنة لتكشف فجوة عميقة بين ما ترويه العائلة المكلومة وبين ما تحاول الجهات الإسرائيلية ترويجه. لقد تلقت العائلة اتصالات رسمية تزعم أن القاتل هو جندي في جيش الاحتلال، في محاولة واضحة لتأطير الجريمة ضمن سياق "العمليات العسكرية" النظامية، وهو ما نفته العائلة جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن يد المستوطنين هي التي ولغت في دم ابنهم.
مفارقات الرواية: لماذا يهربون من هوية المستوطن؟
إن الإصرار على وصف القاتل بـ "الجندي" بدلاً من "المستوطن" ليس مجرد تبديل في المسميات، بل هو تكتيك قانوني يهدف إلى:
- توفير غطاء شرعي: إضفاء صبغة "الواجب العسكري" على فعل القتل العمد.
- تخفيف الضغط الدولي: تقليل الانتقادات الموجهة لعنف المستوطنين المتصاعد في الضفة الغربية.
- تضليل القضاء: تحويل القضية من اعتداء مدني إرهابي إلى حادثة أمنية تخضع لمحاكمات عسكرية داخلية غالباً ما تنتهي بالإغلاق.
قراءة في الأرقام والدلالات
تأتي حادثة علي حمادنة في سياق زمني يشهد تصاعداً مخيفاً في وتيرة الاعتداءات. وإليك بعض الدلالات الإحصائية والواقعية التي ترسم صورة المشهد:
- تصاعد اعتداءات المستوطنين: تشير التقارير الحقوقية إلى زيادة بنسبة تتجاوز 40% في هجمات المستوطنين المسلحة خلال العام الأخير.
- غياب المحاسبة: إن نسبة إغلاق ملفات التحقيق ضد المستوطنين دون توجيه لائحة اتهام تصل إلى قرابة 90%، مما يجعل "الإفلات من العقاب" قاعدة لا استثناء.
- شهادة العائلة: تمثل الصخرة التي تتحطم عليها ادعاءات الاحتلال، فالعين التي رأت لا يمكن أن تضللها البيانات الهاتفية.
الحقيقة التي لا تغيب
إن محاولة تحويل هوية القاتل في قضية علي حمادنة من مستوطن إلى جندي هي محاولة بائسة لغسل اليد الملطخة بالدماء بماء التبريرات القانونية الواهية. فالمستوطن والجندي في هذا السياق هما وجهان لعملة واحدة تستهدف الوجود الفلسطيني، لكن صدق العائلة وثباتها يظل المنارة التي تكشف زيف هذه الادعاءات.
وفي الختام، يظل علي حمادنة شاهداً وشهيداً، وتظل كلماته عائلته وثيقة تاريخية تفضح محاولات طمس الحقائق. إن العدالة قد تتأخر، لكن نور الحقيقة المنبعث من مسرح الجريمة أقوى من أن تطفئه اتصالات مشبوهة أو روايات مصنوعة في غرف المخابرات. الحقيقة جبل شامخ لا تحجبه سحب الأكاذيب مهما تكاثفت.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً