رمضان فرصة العمر: كيف تجعل شهر الصيام بداية لرحلة التوبة؟

# رمضان فرصة عظيمة للتوبة إلى الله: رحلة العودة إلى رحاب الغفور

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله التواب الرحيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الموصوف بكونه بالمؤمنين رحيماً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن شهر رمضان المبارك ليس مجرد زمن للامساك عن الطعام والشراب، بل هو محطة إيمانية كبرى، وفرصة ربانية سانحة لكل من أثقلت كاهله الذنوب، ولكل من رغب في تجديد العهد مع خالقه سبحانه وتعالى. إننا في هذه السطور، نبحر في معاني التوبة في رمضان، مستلهمين من الوحيين الكتاب والسنة، كيف نجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق نحو حياة أزكى وأطهر.

التوبة: نداء إلهي لجميع المؤمنين

يعتقد البعض أن التوبة محصورة في حق من ارتكب الكبائر أو قارف العظائم، لكن الحقيقة القرآنية تؤكد أن التوبة وظيفة العمر، وسمة المؤمنين الصادقين في كل أحوالهم. يقول المولى جل وعلا: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31]. ففي هذه الآية، نادى الله عز وجل المؤمنين كافة بلقب الإيمان، وأمرهم جميعاً بالتوبة، وعلّق الفلاح بها.

إن التوبة ليست خاصة بالمذنب الجاني فحسب، بل هي عامة في حق جميع المؤمنين الذين يريدون الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. ويؤكد الله هذا النداء في موضع آخر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} [التحريم: 8]. والتوبة النصوح هي التي لا رجوع بعدها للذنب، تماماً كما لا يعود اللبن في الضرع، وهي التي تخلص من الشوائب والعلل.

فإن من أعظم نعم الله عز وجل على عباده أن جعل باب التوبة مفتوحاً للتائبين، وجعله فجراً تبدأ معه رحلة العودة إلى الله جل جلاله بقلوب منكسرة، ودموع منسكبة، وجباه خاضعة، وأعناق متذللة. فما أجمل أن يستقبل العبد شهر رمضان بقلب تائب، وروح مستغفرة!

سعة رحمة الله وباب التوبة المفتوح

لقد جعل الله عز وجل التوبة ملاذاً آمناً، وفتح أبوابها في كل وقت وحين، ليعلم العبد أنه مهما بلغت ذنوبه، فإن عفو الله أعظم. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (أخرجه مسلم).

هذا الحديث يصور لنا مدى كرم الله وتودده إلى عباده؛ فهو سبحانه الغني عنهم، ومع ذلك يبسط يده بالليل والنهار انتظاراً لعودتهم. وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (أخرجه مسلم).

ولكن، هناك موعد شخصي لكل إنسان تنقطع عنده فرصة التوبة، وهو بلوغ الروح الحلقوم. فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد مالم يغرغر» (أخرجه أحمد والترمذي وحسنه الألباني). فبادر يا أخي الكريم قبل أن يغلق الباب، واغتنم أنفاسك في هذا الشهر المبارك.

رمضان: شهر المغفرة والتحذير من الحرمان

اعلم يا أخي الكريم أن رمضان فرصة عظيمة للتوبة إلى الله، والرجوع إليه، وتجديد العهد مع خالقك سبحانه وتعالى. واحذر كل الحذر أن تكون من المغبونين المحرومين؛ وذلك إن انقضى رمضان ولم يغفر لك، عياذاً بالله من ذلك.

لقد ورد وعيد شديد فيمن أدرك هذا الموسم ولم ينل مغفرة الله. عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات ولم يغفر له فأُدخل النار فأبعده الله. قل: آمين. فقلت: آمين» (أخرجه ابن حبان والطبراني). وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له» (أخرجه الترمذي وصححه الألباني).

تأمل في قوله «رغم أنف»، وهي كناية عن الذل والمهانة؛ فكيف يمر موسم الرحمة، وتفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، ثم يخرج الإنسان منه بذنوبه كما دخل؟ إن هذا هو الخسران المبين.

فضائل رمضان المحفزة على الأوبة

فهذا شهر رمضان، شهر بركة وخير، حباه الله بفضائل عديدة، وخصال حميدة؛ فهو شهر القرآن، وشهر الإحسان، وشهر التوبة وتكفير الذنوب والخطايا. فيه تنزل الرحمات، وترفع الدرجات، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، وفي رواية مسلم: «فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (رواه البخاري ومسلم). إن تهيئة هذه الأجواء الكونية -من فتح الجنان وتصفيد الشياطين- هي دعوة صريحة من الخالق لعبده: “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”.

فيا أخي الحبيب: جد في التوبة، وسارع في الرجوع والأوبة، فليس للعبد مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد. فبادر بالتوبة والفرار إلى الله، قبل أن تقضي عليك الذنوب، وتتلفك المعاصي والآثام. استيقظ من سباتك، وأفق من غفلتك، فالأيام تمضي وتمر، فاحذر أن تكون من المغبونين بزهدك في جنات النعيم، فسارع إلى التوبة والندم على ما فات.

قدوتنا في الاستغفار والتوبة

إذا كان العبد يشعر بالخجل من ذنوبه، فلينظر إلى سيد الأولين والآخرين، رسولنا صلى الله عليه وسلم، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك لم يكن يفتر عن التوبة والاستغفار. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (أخرجه البخاري).

وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة» (أخرجه مسلم). فإذا كان هذا حال المعصوم صلى الله عليه وسلم، فكيف بحالنا ونحن نخطئ بالليل والنهار؟ فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة، فلا تؤجل التوبة ولا تسوف بها، ودع عنك “سوف” وأخواتها، فإنها من جند إبليس.

فرح الخالق بتوبة العبد

نعم، {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185]، فيا مضيعاً يومه وقد ضيعت أمس، يا من قتلت نفسك بالمعاصي والذنوب، ارجع إلى مولاك، واندم على ما فرطت في جنب الله، واسكب الدمع على أعتاب التوبة، وتذلل إلى ربك واطلب منه الإقالة، تجده فرحاً بك مسروراً.

هل تخيلت يوماً أن ملك الملوك يفرح بك؟ نعم، إذا تبت إلى الله ورجعت إليه فرح بك فرحاً شديداً، أشد من فرح ذلك الرجل الذي عادت إليه دابته بعدما يئس من رجوعها. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فأفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (رواه البخاري ومسلم).

أرأيت يا عبد الله كيف فرح الله بك حين تبت ورجعت إليه؟ وأنت من أنت؟ أنت العبد الفقير الذليل الضعيف الذي ليس له حول ولا قوة، وهو من هو؟ هو الله ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى. هذا الفرح الإلهي ليس لحاجة منه إليك، بل هو كرم محض ورحمة واسعة.

لا تقنط.. فالمغفرة تسع كل شيء

فيا أخي لا تقنط من رحمة الله، واعلم أن الله جل جلاله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا عبد مذنب جاء إليه أن يقبله؛ فهو سبحانه وتعالى واسع العفو، كثير الغفران، غافر الذنب وقابل التوب، سبحانه، وسعت رحمته كل شيء.

تأمل في هذا الحديث القدسي الذي يسكب الطمأنينة في القلوب المذنبة: عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة» (أخرجه الترمذي وحسنه الألباني).

أي كرم بعد هذا الكرم؟ وأي جود بعد هذا الجود؟ إنها دعوة للجميع، للمقصرين والمسرفين، أن يقبلوا على الله في شهر الجود والكرم.

الثبات بعد التوبة: نداءات عملية

يا من منّ الله عليك بالتوبة في هذا الشهر الكريم، اعلم أن علامة قبول التوبة هي الحسنة بعد الحسنة.

1. يا من تاب الله عليك من ترك الصلاة: إياك والتفريط في أدائها بعد ذلك، فالعين التي بكت في التراويح لا ينبغي أن تنام عن صلاة الفجر.
2. يا من عافاك الله من سماع الأغاني الماجنة ومشاهدة المحرمات: إياك والرجوع إلى تلك البلايا بعد رمضان، فقد ذقت حلاوة القرآن فلا تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
3. يا من ترك الخبائث والدخان: إياك أن تعود إليها، فقد طهر الله جسدك منها في شهر الصوم، فلا تدنسه مرة أخرى.
4. يا من يصوم عن الحلال ويقع في الحرام: بادر بالتوبة من أكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً.

وفي الجملة أقول لك: احمد الله على أن بلغك شهر رمضان، ومنّ عليك فيه بالتوبة والغفران، وأسأله سبحانه وتعالى الثبات على الحق حتى الممات. واجعل من هذا الشهر نقطة تحول حقيقية في حياتك، ليكون رمضان هذا العام هو “رمضان التغيير” نحو الأفضل.

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وتوبتنا، واجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الكريم. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *