رهان “صفر إلى واحد” في قطاع الزراعة
لطالما عُرف صندوق “Founders Fund”، التابع للمستثمر الشهير بيتر ثيل، بدعم الشركات التي تُحدث تحولات جذرية، أو ما يطلق عليه ثيل شركات “من الصفر إلى الواحد”؛ وهي تلك الأعمال التي لا تكتفي بتحسين الأفكار الحالية بل تخلق شيئاً جديداً تماماً. وبعد نجاحات كبرى في محافظه الاستثمارية مثل فيسبوك، وسبيس إكس، وبالانتير، يأتي رهانه الأحدث على شركة ناشئة من نيوزيلندا تضع أطواقاً ذكية تعمل بالطاقة الشمسية على رؤوس الأبقار.
شركة Halter، التي أغلقت مؤخراً جولة تمويلية من الفئة (E) بقيمة 220 مليون دولار، ليصل تقييمها إلى 2 مليار دولار بقيادة Founders Fund، لا تنتمي لنوعية الشركات التي تتصدر عناوين التكنولوجيا المعتادة؛ فلا يوجد هنا ذكاء اصطناعي توليدي أو روبوتات بشرية. ومع ذلك، فهي تعالج مشكلة ضخمة وغير محلولة إلى حد كبير: كيف تدير قطعان الماشية المنتشرة في تضاريس نائية دون الحاجة إلى الكلاب، أو الخيول، أو الدراجات النارية، أو المروحيات؟
نظام سياج افتراضي وحلول ذكية
طورت Halter نظاماً يدمج بين طوق ذكي يعمل بالطاقة الشمسية، وشبكة من الأبراج منخفضة التردد، وتطبيق عبر الهاتف الذكي يتيح للمزارعين إنشاء “أسوار افتراضية”. يسمح هذا النظام بمراقبة كل حيوان على مدار الساعة ونقل القطعان دون مغادرة المزرعة. يتم تدريب الماشية على الاستجابة لإشارات صوتية واهتزازات من الطوق، وهي عملية يشبهها مؤسس الشركة، كريج بيجوت، بنظام التنبيه في السيارات عند اقترابها من جدار أثناء الركن.
وفقاً لبيجوت، تتعلم معظم الحيوانات الاستجابة للسياج الافتراضي بعد ثلاث تفاعلات فقط، وبعدها يمكن توجيهها وتحريكها بالاعتماد على الصوت والاهتزاز وحدهما. ولا يتوقف دور الطوق عند الرعي فحسب؛ فبما أنه يعمل باستمرار ويجمع البيانات السلوكية، فإنه يتتبع صحة الحيوان، ودورات الخصوبة، وينبه المزارعين عند اشتباه إصابة أي حيوان بالمرض.
من صواريخ الفضاء إلى المراعي الخضراء
نشأ كريج بيجوت في مزرعة ألبان في نيوزيلندا قبل دراسة الهندسة والعمل لفترة وجيزة في شركة Rocket Lab للفضاء. كانت تلك التجربة هي مدخله لعالم الشركات الناشئة ورأس المال الجريء، حيث أدرك أن جمع التمويل وبناء فريق لتحقيق مهمة طموحة هو أمر ممكن، وأراد تطبيق ذلك في قطاع الزراعة، فأسس Halter وهو في الحادية والعشرين من عمره.
اليوم، وبعد تسع سنوات، تنتشر أطواق Halter على أكثر من مليون رأس من الماشية في أكثر من 2000 مزرعة عبر نيوزيلندا وأستراليا والولايات المتحدة. النموذج المالي للشركة واضح ومباشر: من خلال منح المزارعين سيطرة دقيقة على أماكن رعي قطعانهم، يمكن لـ Halter رفع إنتاجية الأرض بنسبة تصل إلى 20%. لا يقتصر الأمر على توفير تكاليف العمالة، بل يضمن رعي الماشية بكفاءة أكبر وتقليل الهدر في الأعشاب.
المنافسة ومستقبل القطاع
ليست Halter الوحيدة في هذا السوق؛ إذ تمتلك شركة الأدوية العملاقة “Merck” نظاماً للسياج الافتراضي يسمى “Vence”، كما ظهرت شركات ناشئة أخرى مثل “Grazemate” التي تقترح استخدام الطائرات بدون طيار (الدرونز) لرعي الماشية. لكن بيجوت يرى أن التحدي الحقيقي ليس في المنافسين التقنيين، بل في “التمسك بالأساليب التقليدية وعدم التغيير”.
تتميز Halter بصعوبة الهندسة التي قضت سنوات في حلها؛ فنظام يدير آلاف الحيوانات يحتاج إلى موثوقية فائقة، لأن فشلاً بنسبة 1% فقط يعني ضياع عشرة حيوانات في أي وقت. وبخلاف معظم شركات التكنولوجيا، لا ترى Halter الولايات المتحدة كمركز لكونها الوحيد، بل تطمح للتوسع في أمريكا الجنوبية وأوروبا، مستهدفةً سوقاً عالمياً يضم مليار رأس من الماشية، وهو ما يفسر حماس المستثمرين لهذه التكنولوجيا الزراعية الواعدة.
المصدر: TechCrunch



اترك تعليقاً